leaderboard_ad

ارتفاع سعر الدولار: ربَّ ضارّة نافعة… للصناعة

April 24, 2020 | بقلم جان طويلة

inside_news

يدرك العارفون في عالم الاقتصاد أن تعميمَي المصرف المركزي اللذين يحرران أموال المودعين ويستبدلان دولاراتهم بالليرة اللبنانية حسب ما يقرره سعر السوق، جعلا سعر العملة الوطنية الرسمي (1515) من الماضي. فالتعميمان يستندان في تحرير الودائع إلى السعر الذي يحدده السوق، وتلك خطوة كبيرة ومجزّأة نحو تحرير السعر، وهي تالياً اعتراف غير معلن بانتهاء زمن السعر الرسمي، إذ سيؤدي ضخّ مبالغ ضخمة بالعملة اللبنانية حتماً إلى رفع إضافي في سعر الدولار، وسينعكس هذا الواقع بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين والمستهلكين.

ولأن قدرة الدولة وتالياً الاقتصاد على ضبط سعر الدولار أو السيطرة عليه باتت شبه معدومة، لن تعود القطاعات الإنتاجية تملك ترف إنكار “الانهيار”. فالواقع النقدي الجديد سيفرض دينامية إقتصادية مختلفة تحتّم على القطاعين الخاص والعام إيجاد، وبسرعة، سبل ناجعة للتأقلم معه اختصاراً للخسائر التي ستقع على القطاع الخاص والأفراد.

أمام هذا الواقع، تلوح في الأفق فرص زيادة الإنتاج المحلي ونموذج اقتصاديّ جديد عماده الإنتاج الصناعي والزراعي، تساعد في نجاحه كلفة انخفاض اليد العاملة والخدمات، وتفتح أمامه نوافذ جديدة لاستقطاب العملة الصعبة.

اعتاد اللبنانيون على اقتصاد استهلاكي يستورد 90% من حاجاته ويسدد فواتيرها بالدولار. وفي ظل الخطوات والإجراءات التي اعتمدتها المصارف للمحافظة على رساميلها بالعملة الصعبة، بات الاستيراد شبه متوقف باستثناء المواد الأساسية التي يموّلها مصرف لبنان.

وفرضَ هذا التحول واقعاً جديداً يحتم السعي إلى التخفيف من الاتكال على الواردات للاستهلاك الداخلي وتطبيق مبدأ استبدال الواردات (import substitution). إلا أن هذا النهج المطلوب السير به يستند إلى ضرورة تطوير سياسات الانتاج الزراعي والصناعي بغية تصنيع ما ينافس السلع المستوردة بالجودة والنوعية ضمن الإمكانات المتاحة في لبنان.

هذا التبدل في النمط الاقتصادي سيسهم في تعزيز تنافسية السلع محلياً وخارجياً، ومعالجة جزء كبير من العجز التجاري المزمن، وتالياً العجز في ميزان المدفوعات. كما سيشجع القطاع الصناعي والزراعي على تطوير نفسيهما ومستوى إنتاجهما بما يؤدي إلى توفير فرص عمل إضافية للبنانيين.

إلا أن القطاع الذي أهملته الدولة لعقود، تواجه سياسةُ إحيائه تحدياتٍ عدة تستدعي وضع استراتيجية وطنية تمكّن الصناعة المحلية من تأمين حاجة السوق المحلية ومحاكاة احتياجات أسواق خارجية.

يمكن اختصار تحديات القطاع الصناعي بثلاثة:

التحدّي الأوّل: تعزيز قطاع الخدمات الذي فرضته الظروف المحلية والإقليمية على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى كالصناعة. وقد أعاق هذا الأمر إفادة لبنان من الدور الكبير الذي يمكن للقطاع أن يلعبه في منافسة صناعات تؤمّنها شركات أجنبية في أسواق أخرى، ما يقلص نسب التصدير ويخفّض فرص العمل.

التحدّي الثاني: أدى ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج كالطاقة واليد العاملة وأسعار العقارات إلى الحدّ من القدرة التنافسية للصناعات اللبنانية، وتالياً حدَّ من قدرتها على التصدير.

التحدّي الثالث: تواجه بيئة الأعمال في لبنان تحديات أبرزها البنى التحتية المتهالكة وانعدام المرونة في الأنظمة التي تحكم القوانين والتشريعات الاقتصادية. بيئة متهالكة تركت أثراً سلبياً على القدرة التنافسية للقطاع الصناعي.

لن يكون إحياء القطاع الصناعي وليد لحظة تحول إقتصادي فحسب. فتحقيق هذا الهدف يتطّلب تدابير وخطوات عدّة:

أوّلاً- توفير التدريب المهني والتقني المناسب لليد العاملة بما يرفع من المهارات المطلوبة التي تتطلبها الإنتاجية، بما يرفع فرص تنافسية القطاعات الإنتاجية اللبنانية ويؤمّن تصريف منتجاتها.

ثانياً- تحديث البنى التحتية عبر قبول التمويل الذي تعهد المجتمع الدولي به بشروط ميسرة للبنان في سياق مؤتمر سيدر (بلغت قيمته 11 مليار دولار)، لا سيما ذلك المخصّص لتنفيذ هكذا مشاريع استثمارية.

ثالثاً- إقرار القوانين اللازمة لتطوير القطاع، والتخفيف من المعوقات أمام مسار تقدمه، بالإضافة إلى تطبيق القوانين الأخرى المتوافرة للشأن عينه، لكن بشفافية.

رابعاً- توفير الحوافز المالية الضريبية لدعم الصناعات وجذب الاستثمارات، بما يُغني الاستراتيجية الوطنية لتطوير الصناعة اللبنانية. وهذه الحوافز تبقى أهم العوامل المؤثرة والداعمة لتطوير القطاع.

أهمية القطاع الصناعي

يكتسب القطاع الصناعي أهمية متزايدة في الاقتصاد الوطني باعتباره قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً وأنه يعدّ ضمانة للارتقاء إلى اقتصاد ذي قيمة مضافة عالية وإلى تحقيق نمو متوازن من خلال الدفع بعجلة التنمية والتطور، وذلك من خلال:

– زيادة الناتج المحلي الإجمالي ورفع معدلات النمو في الاقتصاد ككل، وفي القطاعات الأخرى نتيجة لترابط العلاقات في ما بينها (كالزراعة مثلاً).

– توفير فرص العمل سواء للعمالة الماهرة أو شبه الماهرة في مختلف المناطق اللبنانية وذلك في إطار الإنماء المتوازن.

– تعزيز الصادرات، وتالياً المساهمة في الحد من المشاكل في الميزان التجاري وميزان المدفوعات.

رفع مستوى الإنتاجية باعتباره من أكثر القطاعات قدرة على تطبيق واستخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة.

المصدر: النهار
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!