القرار الصحيح في التوقيت الخطأ

November 18, 2019 | بقلم فيوليت غزال البلعة

inside_news

لم يكن مقدّرا أن يخرج الإيرانيون إلى شوارعهم إحتجاجا على زيادة أسعار الوقود بنسبة 50%، في تظاهرات نادرا ما شهدتها الجمهورية الإسلامية التي عجزت عن ضبط “مثيري الشغب” و”أعداء الخارج”، كما وصفهم أمس المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الذي أكد تأييده للقرار… “صدامات الدم” إمتدت أمس إلى نحو 100 مدينة، وأدت إلى شلّ حركة البلاد إقتصاديا وقطع الإنترنت ومهاجمة مصارف، فيما سُجّلت إحتجاجات من نواب إصلاحيين يطالبون بمراجعة القرار ويلوّح بعضهم بالإستقالة.

إجحاف الإجراءات الجديدة التي أزالت الدعم وخصصت عائداته لـ”الدفع النقدي للأسر ذات الدخل المنخفض”، لم يمرّ مرور الكرام لدى الإيرانيين الذين يعانون من العقوبات الأميركية التي مالت نحو تشدّد أكبر منذ تخلّى الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الاتفاق النووي. ومعها، مال الإقتصاد الإيراني نحو الركود، وتراجع الريال إلى مستويات قياسية، وزاد معدل التضخم أقله بأربعة أضعاف، فضلا عن توقف مسيرة الدفق الإستثماري الأجنبي الضخم.

أمس، خرج آلاف العراقيين في محافظات الجنوب إلى الشوارع لتنفيذ إضراب عام وشامل لكل المؤسسات الحكومية والمدارس، دعما للإحتجاجات المطالبة بالقضاء على الفساد ومحاربة البطالة وتحسين جذري للخدمات العامة. لم تنفع الصدامات الدموية التي أفضت إلى مقتل نحو 300 شخص، إلى تسريع مسيرة الإصلاح وتذليل معوقات تنويع الإقتصاد الذي يعتمد بنسبة 95% من إيراداته على صادرات النفط.

مشهد التظاهرات الشعبية غاب عن سوريا رغم تدهور الليرة وخسارتها أكثر من 93% من قيمتها الفعلية منذ إندلاع الثورة في آذار/مارس 2011. وقد سجل سعر صرف الدولار في السوق السورية نهاية الأسبوع مقدار 717 ليرة سورية، وهو أعلى سعر له مقابل الليرة في تاريخ بلاد لا تزال تعاني من فقدان بوصلة الإستقرار. وكالعادة، لا تعليق رسمي للنظام ولا موقف للمصرف المركزي، وسط صمت مطبق لمواطنين يعانون وطأة الفقر والبطالة نتيجة شلل الدورة الإقتصادية.

شلل لم ينطبق على “ثورة” لبنان، حيث تواصل أمس زحف اللبنانيون إلى الساحات في “أحد الشهداء” بعد سبت “البوسطة” التي جالت لبنان من شماله إلى جنوبه، للضغط على السلطة السياسية بإطلاق قطار المشاورات النيابية تمهيدا لتشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة قادرة على إخراج لبنان من أزمة أوقفت قطار الإنتاج وسرّعت خفض تصنيفه الى مرتبة CCC مع كل تردادتها على الحياة اليومية والمعيشية.

وفيما لا تزال هوية الرئيس العتيد للحكومة أسيرة التشجنات التي ترجمتها في اليومين الماضيين “حرب المصادر والبيانات”، لتسير عكس التيار الشعبي وتدحض التفاؤل بقرب الإنفراج، إستمهل القطاع المصرفي قرار العودة إلى العمل رغم توصل جمعية المصارف إلى إتفاق على معايير موحدة أعلنتها مساء لتؤكد عدم وجود “قيود على حركة الأموال”. “توجيهات عامة” تقررت في ضوء التشاور مع مصرف لبنان وهي:
– لا قيود على الأموال الجديدة المحوّلة من الخارج.
– التحويلات إلى الخارج تكون فقط لتغطية النفقات الشخصية الملحة.
– لا قيود على تداول الشيكات والتحاويل واستعمال بطاقات الإئتمان داخل لبنان.
– تحديد المبالغ النقدية الممكن سحبها بمعدل ألف دولار كحد أقصى أسبوعيا لأصحاب الحسابات الجارية بالدولار.
– الشيكات المحررة بالعملة الأجنبية تدفع في الحساب.
– يمكن إستعمال التسهيلات التجارية داخليا ضمن الرصيد الذي وصلت اليه بتاريخ 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019.
– دعوة الزبائن إلى تفضيل استعمال بطاقات الإئتمان، وخصوصا بالليرة اللبنانية، لتأمين حاجاتهم.

هي قرارات ستنقلها الجمعية إلى إتحاد موظفي المصارف في اجتماع يُعقد غدا ليكتمل عقد التدابير التي يحتاجها الموظفون قبل إعلان وقف الإضراب، والتي تستلزم “وجود جوّ من الأمان في مراكز العمل، وخصوصا في فروع المصارف من خلال تدابير ستتخذها القوى الأمنية”.

حلقة من سلسلة العقد باتت في طريق الحلّ. لكن، هل يكفي هذا ليكتمل مشهد الإستقرار؟
لا شكّ في أن لبنان على وشك الإنهيار إن لم يعتمد على الفور تدابير فاعلة لإعادة هيكلة موارده المالية العامة وتحفيز النمو الإقتصادي وإستعادة الثقة. يحتاج السياسيون إلى مواجهة واقع الحاجة إلى التغيير الجذري. هم في حاجة إلى إدراك أنه لم يعد لدى لبنان أي خيار، وأن مصرف لبنان الذي يمتلك نحو 30 مليار دولار كإحتياطي من العملات الصعبة، لم يعد وحده قادرا على تحمّل كل الأعباء. هم في حاجة إلى أن يدركوا أن المرحلة تفترض وضع خطة طويلة الأمد وشاملة في مضمونها لجهة مراعاة: معالجة العجوزات المالية وتخفيف كلفتها ولا سيما الدين العام، وتطبيق خطة إصلاح قطاع الكهرباء، وزيادة الإيرادات المالية عبر تحسين إدارة الضرائب وجبايتها وضبط التهرّب الضريبي، وخفض النفقات المالية، وخفض حجم القطاع العام وخصوصا “التوظيف الوهمي”، وتحفيز النمو وتوفير فرص عمل جديدة، وإعادة هيكلة القطاع العام عبر إدخال دم وظيفي جديد على أساس تعاقدي والإستغناء عن غير المنتجين.

عناوين لمهمة إنتقالية تتطلب إجراءات فورية لاستعادة الثقة وتخفيف مستوى المخاطر ووضع لبنان على طريق النمو والإزدهار عبر خطة عشرية. ولا شك في أن تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة يكفل إستعادة الثقة، كما ان تخفيف الضغوط على النظام المصرفي يكون عبر رؤية إقتصادية واضحة بفترة زمنية قصيرة، لأن لبنان لا يملك ترف الوقت.

القرار الصحيح صدر في التوقيت الخطأ. توصيف يتلاءم وحال إيران، لكن هل ينطبق على لبنان، حيث اللاقرار السياسي يسود والشارع الشعبي يلتهب، والإقتصاد ينتظر صدمات إيجابية حقيقية؟

المصدر: Arab Economic News
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!