leaderboard_ad

تحيّة إلى المناضلة جوسلين خويري: لولا أمثالِك لكنّا لاجئين في بلد من دون هويّة!

August 1, 2020 | بقلم روزيت فاضل

inside_news

قبل حلول مناسبة ميلادها الـ65، في 15 آب من هذه السنة، انتقلت رفيقة درب الكثيرين جوسلين خويري، إلى الحياة الأبدية، الحياة الحقيقية في ملكوت الآب.
لولا هذه المحاربة الباسلة في المقاومة المسيحية ورفاقها من الرعيل الأول من المقاتلين المدافعين بجرأة وإقدام عن لبنان في كل من حزبَيّ الكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية، لكنا أضعنا جواز سفرنا، ورست فينا السفن من ميناء إلى آخر بحثاً عن وطن.
لا شك أنّ تصفح فصول حياتها اليوم مع رفاق دربها، يجعلنا أمام قراءة قصة واحدة لأبرز النساء المقاتلات في المقاومة المسيحية، أو كما يحلو لبعض مناصريها أن يصفوها بـ “بطلة من بلادي” دافعت عن الوجود المسيحي ولبنان، وأكملت مسيرتها في بيدر مكمِّلٍ لرسالتها الإنسانية في “اللبنانية في 31 أيار” من خلال تعزيز دور المرأة وتمكينها وتعزيز التنشئة المسيحية وقبول الآخر…

حاولت “النهار” أن تعكس في مقابلات مع بعض رفاق دربها تحية وفاء وحب واعتزاز عبّر عنها الرعيل الأول من قياديّي حزبَيّ الكتائب والقوات اللبنانية وهم: شقيقها سامي خويري وهو قيادي كتائبي بارز سابقاً وأحد مؤسسي فرقة المغاوير الأولى المعروفة بـ”PG” تيمناً بالمؤسس بيار الجميل؛ الرئيس الأسبق لحزب القوات اللبنانية الدكتور فؤاد أبو ناضر؛ والنائب الحالي لرئيس حزب الكتائب، والقيادي القواتي البارز سابقاً والأمين العام لحزب الكتائب اليوم نازار نجاريان؛ وشيراز عواد رفيقة دربها منذ 45 عاماً.

يتردد سامي خويري، الشقيق الأكبر لجوسلين، في القول إن العائلة بكل أفرادها شربت من نبع الوطنية، وانجرفت طوعاً في صف حزب الكتائب، ولا سيما بعد أن شبّ هو وأشقاؤه الستة وشقيقتاه في جوار البيت المركزي للكتائب في الصيفي، حيث كان يتابع وشقيقه فادي ونزيه، وتنضم إليهم جوسلين يومياً، رفع العلم اللبناني والكتائبي على وقع كل من النشيدين الوطني والحزبي”، مشيراً إلى “أننا كنا نترقب يومياً على شرفة المنزل دخول مؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل وخروجه من مركز الحزب، بشخصيته الفذة والقيادية”.

العائلة المقاوِمة

وشدّد خويري على أن “والدته كانت تواظب على قراءة جريدة “العمل” الصادرة عن الحزب، وتشرح للزوار في دارتهم عن مجريات الحوادث، فيما كان الوالد ينكبّ على متابعة شؤون العائلة دون أي ميل حقيقي للسياسة”. وشدد أيضاً على أنه “بعد تلبية نداء عائلته للدفاع عن الوجود المسيحي في لبنان، سقط شقيقه الياس شهيداً في قلب المعارك، وهو الولد الخامس بعد شقيقته جوسلين”.
ماذا عن جوسلين؟ استعاد خويري بدايات شقيقته واصفة إياها بأنها “لم تكن كبعض النسوة المتمسكات بنشاطات تقليدية، بل كان لديها أولوية الدفاع عن الوطن”.
وشدد أيضًا على أنها “كانت تتابع تنقلاته، وتفاجئه في حضورها، ما دفعه إلى إعطائها بعض الدروس عن علم الأسلحة وركائز الإدارة”، مشيراً إلى أنها بدأت في رصف الصفوف وإدخال الفتيات المناضلات في صفوف ما عُرف بالنظاميات، ومن الأسماء التي تعرّف إليها بداية بياريت بستاني وشيراز عواد”، قال: “كانت تؤمن بتنشئة متكاملة روحية، قتالية، إيمانية، أخلاقية، تحفز المقاتلة المقاومة على الثبات في نضالها”.

النظاميات

وصارح بكلام موضحاً سبب شيب شعرها الأبيض، مشيراً إلى أنها “في ليل 6 أيار 1976، تعرض مبنى “النظاميات” في أسواق بيروت إلى هجوم شرس شنّه نحو 100 مسلح فلسطيني في فترة وقف إطلاق النار، في حين كان رفاق النظاميات في إجازة”. قال: “صدّت جوسلين الهجوم متوجهة إلى سطح المبنى ليلاً لترمي قنبلة على المسلحين، ما أوقع في صفوفهم خسائر وأجبرهم على التراجع”.
واعتبر أنه “من خلال صدّ هذه المعركة انتزعت جوسلين والنظاميات الثقة من الحزب، وصولاً إلى تجربتها في حرب الفنادق وحصار شكا وسواها، إلى أن عممت تجربة الإعداد الروحي والإيماني والأخلاقي على كل ثكنات القوات الإناث والذكور، مع التشديد على وجود مرشد روحي في كل منها لمتابعة المقاومين”.

“اللبنانية 31 أيار”

بعد تركها القوات في العام 1985، أكد خويري أنها “انتقلت إلى جبهة أخرى في متراس الحياة من خلال تأسيس جمعية “اللبنانية 31 أيار” تيمناً بالشهر المريمي، حيث وسّعت تواصلها مع الفاتيكان بعد اتقانها اللغة الإيطالية، لتعرض من خلال محاضراتها لأهمية مريم العذراء ودور لبنان ومسيحييه، إضافة إلى تعزيز مقاومة أخرى ترتكز على “لبنان الرسالة” التي نادى بها البابا القديس مار يوحنا بولس الثاني”.

رفيقة دربي

“هي رفيقة مناضلة لأزمتنا في أصعب الأوقات”، قال الدكتور أبو ناضر. وأكمل سارداً أنها “وقفت إلى جانبي في زمن الانتفاضة، داعمة لشخصي”، مشيراً إلى أنها “تركت الحزب في حينها لأنها لمست تغيراً في صلب عمل الحزب”.
ووصف مسيرة “النظاميات” التي أسستها ودورها القيادي والبطولي في صد هجوم على مبناهن في أسواق بيروت. وأثنى على “تسلمها في الثمانينيات “مؤسسة النظاميات”، التي كانت تنشر في الثكنات القيم الأخلاقية، الروحية، والفكرية بين شباب القوات وشاباته”، مشيراً إلى أنها “تحملت عبئاً كبيراً وسهرت على تثقيف الفتيات وتوجيههن لاحتراف مهنة أو دراسة تخصص محدد”.

“كاريزما”

كيف يصف شخصيتها؟ برأيه، “تملك شخصية كارزماتية، وتتقن فن القيادة”. وأوضح أنه “تم اللجوء إليها عام 1984 للتوجه إلى إقليم الخروب لرفع معنويات المقاتلين وتعزيز الثقة بقدراتهم النضالية”.
قال: “إن الفرق بين عدد كبير من النظاميات اللواتي يشبهن جوسلين في مسارها النضالي، أنهن لم يكملن نضالهن، أو يخصصن وقتهن للقضية كما الحال معها. فضّل بعض النظاميات إكمال حياتهن في المقلب الآخر من الحياة، فيما ثابرت جوسلين في نضالها”.
وعن سبب رفضها خوض معترك السياسة بعد استقالتها من القوات، قال: “إسم جوسلين خويري له رصيد كبير في المجتمعين الكسرواني والمسيحي، ما يسهّل عليها الفوز في الانتخابات في حال كانت أرادت ذلك. لكنها رفضت عرضاً قدّمه حزب الكتائب لها للترشح الى النيابة عام 2005، لأنها وجدت نفسها في رسالة مركز يوحنا بولس الثاني عام 1995، ودور الجمعيات التابعة له، إضافة الى أنها كانت على قناعة أنه لا يمكن التوفيق بين العمل الاجتماعي والسياسة”.

لا للاعتذار

شدد أنها “تتمسك بحقيقة واضحة أننا لا نشعر بأي حياء أو إرباك في كل ما قمنا به”، مشيراً الى أن “لبعض القواتيين المقاتلين، الذين قدّموا اعتذاراً على أخطاء ارتكبوها تجاه الآخرين، أسباباً خاصة فيهم، لأنها على دراية تامة أنه لا يمكن أن نعتذر على إنقاذ لبنان لأنه خيار نفتخر فيه”. بالنسبة له، “القوات لم تقترف أي خطأ، وإذا اقتصر الأمر على شخص واحد من الحزب فهذا لا يشمل عناصر القوات كلهم”.
وانتقل أبو ناضر إلى شجاعتها في “تحمل المراحل الأخيرة من مرضها بكثير من الإيمان والرجاء، وبتمسكها بمعنويات عالية جداً، وبتقوى كليّة بمشيئة الله”.

“كوني مثلها”

ماذا يقول لشباب اليوم عن جوسلين؟ أجاب بحماس لافت قائلاً: “تعلّموا من جوسلين. اتّبعوا الأخلاقيات التي نشرتها بين الشباب وعلى رأسها العطاء دون مقابل. هي المرأة التي سمعتُ عنها الكثير الكثير عند لقائي مع التحالف للكنيسة الكاثوليكية في روما ولا سيما عند إشادتهم بمضمون محاضراتها عن دور العذراء ولبنان ومسيحييه وشعبه”.
بالنسبة لنجاريان، “أمر واضح كالشمس، جوسلين خويري أمثولة نموذجية لأيقونة حقيقة للمقاومة”.
تربطه بها علاقة شخصية وصداقة عميقة “جمعته معها أيام النضال ومراحله، والتي قدّمت للبنانيين كل ما في سبيلها لنستمر في لبنان”.
بالنسبة له، “سر نجاحها، السلام الداخلي الذي عزز فيها الإيمان المطلق بالقضية أو حتى بما تقوم به، ما جعلها مثالاً لشباب وشابات عدة، ولا سيما من خلال تفانيها للعطاء من أجل الآخرين”.

كتائبية حتى الآن

من هي الرفيقة جوسلين؟ أجاب بسرعة: “هي قواتية سابقة. نشأت كتائبية وما زالت إلى اليوم. حال المرض دون تمكنها من متابعة الدورات التأهيلية والالتزام بالبعد الروحي والأخلاقي للكوادر في الحياة، والتي دعت إليها الأمانة العامة للحزب”.
واستعاد بداياته مشيراً إلى أنه “انتسب إلى صفوف مصلحة طلاب الكتائب قبل الحرب، فيما كانت جوسلين في عضوية دائرة الثانويين في المصلحة قبل أن تنتقل إلى دراسة الإعلام في الجامعة الوطنية في العام 1975”. بالنسبة إليه، “تشاركنا النضال معاً في حزب الكتائب، حيث تسلمت مصلحة الطلاب في ثانوية الشحروري فالجامعة اللبنانية، فيما كنت شخصياً رئيس خلية في مدرسة المون لاسال”.

المساواة بين الجنسين

وشدد على “مزايا جوسلين القيادية، التي تمكنت من خلالها أن تقوم بمهامها التدريبية والتأهيلية في صفوف المقاتلات وحققت بذلك المساواة بين الجنسين في ساحات النضال”.
وتحدث بفخر عنها مشيراً إلى أنها “تطوعت لخدمة وطنها وقاتلت من أجله”، قال: “التقينا على نفس الجبهة، جبهة الدفاع عن بيت الكتائب المركزي. كان مبنى النظاميات قرب فندق رجينت مقابل المبنى الخاص بنا المعروف بمبنى الباطون. كنا في عطلة، وبقيت النظاميات في المبنى، وصدّت ببطولة في 6 أيار 1976 هجوماً حاول القيام به الفلسطينيون دون جدوى”.
ولفت إلى أن “المقاتلات النظاميات كن يقمن بكل العمل سواسية مع الرجال، حمل أكياس تراب، بناء متاريس”، مشيراً إلى أن “الجميع كانوا يحترمون الروح القيادية لجوسلين خويري وقدرتها على تبادل الاحترام مع الجميع”.

حبّ مريم

لمَ تركت القوات؟ قال: “الجواب واضح. لأن وقوع الانتفاضة عكس ميلاً إلى تصفية حسابات داخلية في المقاومة، ما دفعها الى اختيار طريق أخرى”.
وشدد نجاريان على أنها “أكملت نضالها متمسكة بالعطاء وبتعزيز دور العائلة والمحبة والمرأة من خلال تأثرها الشديد بالبابا القديس مار يوحنا بولس الثاني وتعلقها الشديد بمريم العذراء، والتي كانت الموضوع المحوري لنيلها أطروحة الدكتوراة في علم اللاهوت”.
“ما جمعه بها”، وفقاً له، “هو الإيمان، كمحرك أساسي وسند رئيسي للتضحية من أجل الوطن”.
كيف تختصر شيراز عواد مسيرة 45 عاماً مع جوسلين خويري؟ أجابت أنها “التقتها في العام 1974 على مقاعد صفوف البكالوريا، وفي التظاهرات لدعم الجيش، وفي صفوف خلية طلاب الكتائب وفي حرب 1975”.
وتحدثت عن “جوسلين المرأة المحبة، التي تبادر بصدق في كل شيء”، مشيرة إلى أنها “لا تعرف أي بُعد للانتقام، نواتها الحقيقية تقوم على المحبة في تعاطيها مع النظاميات أو في قلب الكنيسة”. وشددت على أنها “لم تقاتل عن حقد، بل أرادت منذ بداياتها أن تدافع عن “لبنان الرسالة”.

مدافِعة عن الحق

ما سرّ استمرار هذه الصداقة؟ أجابت بشفافية: “أنها قائمة على قواعد الحق”. وعادت للحديث عن جوسلين واصفة إياها أنها “كانت دائماً تدافع عن الحق، وتفاعلنا معاً في حوادث عدة، وعشنا معاً في الحلوة والمرّة”.
ماذا تعلمت من جوسلين؟ قالت: “تعلمت قراءة الحوادث. وهذا يعود إلى أنها كانت تتوق دائماً إلى عيش حياة عميقة، لها معنى، وبعيدة كل البعد عن الهامشية”. واعتبرت أن “رفقة العمر معاً مبنية على الصدق والتضامن”، مشيرة إلى أنها “وقفت في الزمن النضالي إلى جانب أشخاص كثر احتاجوا إلى دعمها”.
برأيها، “حملت رسالة قيّمة للإنسان فيها محطات رجاء وتأمل ووجع أحياناً…”.

المصدر: النهار
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!