كلفة السياسة على الإقتصاد 9%؟

July 15, 2019 | بقلم فيوليت غزال البلعة

inside_news

في زمن العقوبات الأميركية المتفلتة من أي عقال والمتنقلة ما بين طهران وأنقرة، يتسمّر لبنان منذ أسبوعين عند “مفترق البساتين”، حائرا بين الدخول في حلقة جديدة من العنف المادي أو مكتفيا بما جنته أيدي السياسيين من عنف إقتصادي ومالي وإجتماعي. يبدو وكأنه لم يكتفِ أو حتى يكترث، بإنذارات أطلقها المجتمع الدولي ومعه وكالات التصنيف، من تأخير إضافي في إقرار إصلاحات “سيدر” في قالب موازنة 2019 قبل أن تتدفق المليارات الـ11 القادرة على قلب بنيته التحتية من مترهلة ومكلفة لترديها إلى جاذبة ومعزّزة لمناخ الإستثمار والأعمال.

الإصرار الدولي على الإصلاحات تُرجم بوضع قطاع الكهرباء في قائمة الأولويات. ويتحضر لبنان نهاية هذا الشهر، لإجتماع يعدّه البنك الدولي الذي طلب من وزيرة الطاقة ندى البستاني تقديم خطة متكاملة لإصلاح قطاع الكهرباء في لبنان، لأنه يؤمن كما أعلن مرارا بأن “إحراز تقدّم في مكافحة الفساد وإصلاح قطاع الكهرباء، ضروريان لإستعادة الثقة، وإعادة تنشيط الإقتصاد وتعزيز النمو والإستقرار والتوظيف في الأمد الطويل”.

في زمن العقوبات، يبدو وكأن لبنان لم يكتف بما فرضته واشنطن حتى الآن من قيود على مسؤولي “حزب الله” وما يُقال إنه سيطال بعض الحلفاء، إذ يبادر إلى إضافة معوقات جديدة ذات الكلفة المرتفعة. ففي الشهر المقبل، يحين موعد وضع علامة تصنيفية جديدة بعد تنبيهات من خفض، إن لم يتلمّس المجتمع المالي، رغبة وسعيا حكوميا لإصلاح هيكلية المالية العامة القابلة للتوّسع بسهولة، طالما بقيت الطبقة السياسية حامية لإنتظام الفساد في منظومة محمية من الأطماع وعصية على المكافحة. المخاوف من خفض تصنيف لبنان لم تحل دون إطلاق توقعات حذرة صدر آخرها عن بنك “جي بي مورغان”، مبرّرا مخاوفه بـ”إستمرار حال عدم اليقين السياسي حول إقرار موازنة 2019 و/أو فرض عقوبات أميركية إضافية، إلى تدهور كبير في ميزان المدفوعات، بما يستلزم احتياجات تمويل خارجية أعلى من المتوقع بحلول نهاية العام”.

جرس إنذار أطلقه “جي بي مورغان” في تقريره عن “مؤشر سندات السوق الناشئة العالمية”، ودعا فيه لبنان إلى تجنّب “حدث إئتماني في الأمد القريب، حيث أظهرت تدفقات الودائع الأجنبية علامات تراجع هذا العام، ولا يزال الطريق السياسي المسدود عقبة أمام تحرير الـ11 مليار دولار من قروض “سيدر” التمويلية للبنان”. هذا الطريق السياسي هو ما وصفه البنك الدولي في تقرير حزيران/يونيو 2015 بأنه “نظام سياسي ومذهبي يكلّف الإقتصاد اللبناني 9% من الناتج المحلي، نتيجة المتاجرة بالنفوذ والصفقات التي تحصل بالتراضي وتقاسم المغانم وازدياد الإحتكارات التجارية والتخبط السياسي الدائم وغياب المساءلة على المستويات كافة وتبعية القضاء للسياسيين، ما يؤدي إلى إهدار في المال العام وعجز الحكومات عن وضع خطة وتنفيذها وإضعاف ثقة المجتمع الدولي والمستثمرين بلبنان”.

رسائل إلى لبنان في زمن العقوبات العابق، حيث تقع سنداته الدولارية “قيد الدرس” بعدما إهتزت بشدة مطلع العام بسبب “تصريحات مسؤولين عن إعادة الهيكلة”. لكن المسار المستقبلي يعتمد “على توقع إحراز تقدم بشأن إجراءات الموازنة، ودعم المزيد من التدهور في الثقة، وهو أمر أساس لصحة القطاع المصرفي. مخاوف السوق ليست مبررة لأن لبنان يمرّ بفترة من إنخفاض تدفقات رأس المال وسط إحتياجات تمويلية خارجية عالية وعدم اليقين السياسي”.

يمرّ لبنان بفترة من التدفقات المنخفضة. هذا ما أشار إليه تقرير “جي بي مورغان”، مؤكدا توقف تدفقات الودائع الأجنبية غير المقيمة “التي كانت في قلب الهندسة المالية لمصرف لبنان الهادفة لإستخدامها في تمويل الحكومة منذ 2016، وتحوّلت تدفقات خارجية منذ نهاية 2018. وبعدما شهد لبنان تدفقات مماثلة سابقا وتحديدا بداية 2014، إنخفضت الودائع غير المقيمة حاليا بمقدار 1.2 مليار دولار منذ بداية العام. وفي الوقت نفسه، إنخفض إحتياطي العملات الأجنبية بنحو 8% منذ نهاية 2018 إلى 30 مليار دولار في أيار/مايو من 32 مليار دولار في كانون الأول/ديسمبر 2018، نتيجة لتدفقات أقل دعمًا وإستحقاق العديد من اليوروبوند”.

ويضيف التقرير “رغم أن السلطات لم تنشر أي بيانات لميزان مدفوعات 2019، تشير الأرقام الأولية للميزان التجاري للربع الأول إلى أن عجز الحساب الجاري سيظل كبيرًا هذا العام، إذ تدور توقعاتنا حول 22% من الناتج المحلي لعام 2019”. ولاحظ أن “العملية السياسية البطيئة” أرجأت إقرار موازنة تستهدف تخفيضات كبيرة في الإنفاق، “ما أثار مخاوف السوق”.

ورغم ما تظهره الأرقام من نقاط ضعف رئيسة، حافظ “جي بي مورغان” على رأيه بضرورة تجنب التخلف عن السداد على سندات الأجل القريب، “حتى مع إنخفاض الإحتياطي الأجنبي إلى 24 مليار دولار في نهاية 2019، وفق السيناريو الذي وضعناه على قاعدة تدفقات رأس المال إلى الخارج في شكل إنخفاض الإستثمارات الأجنبية المباشرة، وإنخفاض الودائع غير المقيمة، وتحويلات أقل. لكن لبنان سيظل قادرا على تلبية إستحقاقات الديون الخارجية المستحقة هذا العام”. وتوقع أن تظل هذه النتيجة ثابتة “حتى إذا انخفضت الودائع غير المقيمة 2.7 مليار دولار في 2019”.

وتفاديا لهذا السيناريو، إضطرت المصارف لجذب أموال جديدة إلى البلاد بعرض أسعار فائدة مرتفعة على المبالغ الكبيرة المودعة لـ3 سنوات، بغية دعم احتياطات المركزي الآخذة في التراجع. هي هندسة مالية جديدة بدأت قبل نحو أسبوعين، ولا تزال مستمرة.

المجتمع المالي ينبّه ويحذّر ويضع سيناريوهات وفق تقييماته، ولبنان غارق في مشاحنات أهل السلطة بحثا عن المزيد من المكاسب، متخليا عن واجباته في وضع خطط بديلة أو برامج طوارئ إستشرافا لموقع، تشكل سنداته الدولارية أول مؤشر على هبوطه في الأسواق العالمية.

المصدر: Arab Economic News
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!