لا إشارات مطمئنة… ماذا بعد؟

September 9, 2019 | بقلم فيوليت غزال البلعة

inside_news

يبدو أن الطريق القويم نحو الإزدهار والنهضة والتقدم، مفقود لدى عدد كبير من الأنظمة في العالم. وهذا ما يفسر وقوع الأزمات السياسية والعسكرية والإقتصادية التي تحتاج، أينما كان، إلى توافق وحوار تمهيدا لإستنباط حلول وخطط تتمتع بقابلية حسن التطبيق.

بريطانيا، الواقعة بين فكي كماشة "بريكست"، تشهد إنفراط عقد مؤسساتها الدستورية على شكل إقالات لنواب بادر إليها رئيس الحكومة بوريس جونسون، وإستقالات لوزراء معترضين على الخروج من دون إتفاق. ولا يزال الجنيه الإسترليني يدفع ثمن "بريكست" غاليا، بإعتبار أن الخروج من دون اتفاق في نهاية الشهر المقبل هو السيناريو الأسوأ بالنسبة للجنيه.

أزمة سوريا لا تزال متشابكة المفاعيل والمؤثرات. سقطت الليرة في محظور السوق السوداء، مع تجاوز سعر صرف الدولار 675 ليرة. ثمة مَن يدعو لإعادة النظر بسياسة تمويل الإستيراد، وربما الإنسحاب منها لمصلحة القطاع الخاص وإخضاعه لقيود صارمة. السقوط يتزامن مع تشديد العقوبات الغربية، فيما تسعى دمشق إلى تخفيف وطأتها عبر تشجيع الإستثمارات الأجنبية، بدليل إحتضانها الأسبوع الماضي "معرض دمشق الدولي" بمشاركة شركات محلية وأجنبية، في رسالة "إنتصار" رغم العقوبات.

السخونة المرشحة للإنفجار العسكري لا تزال تستحكم بالأجواء على خط واشنطن-طهران. فالاتفاق النووي عالق بين عقوبات أميركية ضاغطة على طهران، وخطوات إيرانية تصعيدية تفرغه من مضمونه. تُتهم إيران بإبتزاز المجتمع الدولي، وتوضح الخارجية الأميركية للعالم "أن العزل السياسي والإقتصادي سيستمر إذا واصلت إيران التخصيب". هذا ما واجهته الناقلة "أدريان 1" التي جابت عرض البحر بعد توقيفها، إلى أن بلغت مقصدها وباعت حمولتها النفطية، وفق الخارجية الإيرانية.

في توصيف مساعي باريس لحلّ الخلافات ما بين واشنطن وطهران، قالت مصادر فرنسية "إن صعود قمة إيفرست أسهل من التوّسط بين أميركا وإيران". وما ينطبق هنا، ينطبق على ما يجري في بيروت هذه الأيام: إن صعود قمة إيفرست أسهل على لبنان من تطبيق الإصلاحات وإنقاذ الإقتصاد.

لبنان، البلد المتأثر بمحيطه، يعاني اختناقا بفعل أزمات متراكمة وأخرى طارئة. لكن الأبلغ منها، يتعلق بإهتزاز الثقة محليا وخارجيا. لبنان مطالب بالكثير: خارجيا، ينتظر المجتمع الدولي إصلاحات تصوّب الإنحرافات القاتلة في المالية العامة وتنامي الفساد منظومة تحكم الطوق على جهود مكافحتها، والبدء بإطلاق مندرجات "سيدر" بعد تجميدها لعام ونصف العام. وداخليا، المطلوب من السلطة التحسّس بالضائقة التي تشدّ خناقها على 5 ملايين نسمة يتقاسمون إقتصاد الـ3 ملايين.

مشكلة لبنان في أقواله المطلوب تخفيفها، لا في أفعاله النادرة والناجعة. بلد يعيش على نقيض الصورة والواقع، يحاول تخفيف الثمن السياسي بأقل إنجازات إقتصادية، وهو ما لم يعد ينطلي على المجتمع الدولي. قبل أيام، أبلغ رئيس الحكومة سعد الحريري صندوق النقد الدولي، أن لبنان لا يحتاج ولم يطلب برنامجا إنقاذيا. لذا، سيبقي على سياسة ربط عملته بالدولار، وهي ترجمة تقنية لسياسة التثبيت النقدي. سمع من المبعوث الفرنسي بيار دوكان المكلف بعث "سيدر" حيا، كلاما أحدث عاصفة في بيروت، سارعت باريس إلى أحتوائها عبر إتصال هاتفي بين الرئيس إيمانويل ماكرون والرئيس الحريري، محاولا تخفيف وطأة نبرة دوكان، ولتأكيد إرتياحه للتقدم الجاري نحو إطلاق مشاريع "سيدر"، من دون إغفال التأكيد على "التزام فرنسا إستقرار لبنان وأمنه وتعزيز دولته ومؤسساتها وأهمية توفير مقومات التهدئة على الحدود الجنوبية".

من المؤكد أن دوكان استغرب لدى عودته إلى باريس، ما أعقب تصريحاته من ردود فعل ومواقف قد تدفعه لإسقاط ملف "سيدر" من مهماته (!). ليس معيبا أن يكون قد نفى مطالبة لبنان بـ"وضع ضرائب ورسوم جديدة خلافا لما تقوله الدولة اللبنانية. طالبنا بإصلاحات جِدّية، وهي لا تعفي الحكومة منها بعد فرض هذه الضرائب والرسوم". ربما شعر دوكان أنه في حاجة إلى مزيد من التوضيح والشرح، فتقصّد القول "إن أي اصلاحات وتدابير مالية وإقتصادية يجب أن يسبقها وفاق سياسي داخلي لحمايتها، وتعبيد الطريق أمام تنفيذها والإفادة من مفاعيلها، وإلّا يبقى كل إجراء أو تدبير هشًا".

المجتمع الدولي ينتظر من لبنان إنجازت لا مواقف، ليبني على الشيء مقتضاه وليبقي الثقة خارج محكّ أداء رسمي متباطئ أمعن في تباطؤ الإقتصاد، فانعكس خفضا للتصنيف السيادي مرفقا بموجة تحذيرات. بيار دوكان ناشد السياسيين التحرك وعدم التخلي عن لبنان، رابطا أموال "سيدر" بموازنة 2020 الإصلاحية ومعالجة عجز الكهرباء فعليا لا نظريا.

لا ينفع لبنان أن يخدع نفسه ويقاوم حركة المؤشرات الحمر. فالإصلاحات واجب يفترض أن تنقاد اليه السلطة طوعا، ولا حاجة لإنتظار ملاحظات المجتمع الدولي. والنصائح تأتي على قدر مسافات التقصير. والمقاومة بقيادة حماة الفساد، ستفضي حتما إلى ما لا يرتضيه الإقتصاد لأعداء البلاد، فكيف لأهلها؟

تكفي لعنة العقوبات التي حلّت على "جمّال ترست بنك" لتهمة لم تتبيّن ملامح حلها بعد، في إنتظار جلاء أفق المساعي التي يقودها مصرف لبنان في إتجاه واشنطن، لتبيان المسار المفروض إتباعه، بيعا إلى مصرف آخر أو تصفية... المهم، أن الواقعة تفيد بأن أموال المودعين كما تعويضات الموظفين وعقود تأمين الشركات التابعة في أيد أمينة، والوقت كفيل بإقفال ملف مصرف صغير في قطاع لا يزال يعاند المصاعب.

ورقة بعبدا الإقتصادية مقبولة من حيث الشكل لأنها وضعت أصبعها على جرح الإقتصاد، لكنها لم تنجح في إرسال إشارات مطمئنة إلى الخارج، بأن لبنان قادر على سلوك الطريق القويم نحو الإنقاذ...

المصدر: Arab Economic News
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!