مئة سنة على لبنان الكبير: الانتقال إلى الجمهوريّة

April 18, 2019 | بقلم الأب باسم الراعي

inside_news

سؤال يُطرح اليوم، بعد مئة سنة على لبنان الكبير: هل هذا فعلًا ما كان يُنتظر من لبنان الكبير: جمهوريّةٌ معطّلة باستمرار؟ والبعض يطرح سؤالًا أكثر جذريّة: هل كان من نفع في قيام لبنان الكبير، بقيام الجمهوريّة؟ كلا السؤالين ينطويان على خيبة مؤسّساتيّة، وأخرى كيانيّة نوستلجيّة.

والحقيقة أنّ في طرح هذين السؤالين ما يبرّرهما من حيث القرائنُ التاريخيّة: الأوّل، جمهوريّة في طور التداعي على صعيد الممارسة السياسيّة بتخطٍّ دائم لها لجهة عدم احترام أصل الجمهوريّة والأساس الدستوريّ الذي تقوم عليه؛ والثاني، له صلة بنوستالجيا جَماعيّة تشمل كلّ الطوائف، على أنّ كلّ طائفة تهوى التعبير عنها بحسب قياسها. ومن المؤكّد أنّ الحرب اللبنانيّة رسمت، كما يقال، ستيغماتا (stigmata)، بدأت نفسيّةً، وظهرت جغرافيًّا؛ ومن ثَمَّ رُسّخت نفسيًّا، ما ساعد على ترسّخ هذه الستيغماتا. وتضافرت قوىً في إحداث هذه الجراح البليغة، كلٌّ منها له «طارٌ» على هذه الجمهوريّة، حاول تصفيتَه خلال الحرب. هذا الواقع دفع بالبعض إلى التساؤل عن الجدوى من لبنان الكبير بعد؟ ومنهم من يقول: ألم يخطئ البطريرك الحويّك بذهابه هذا المذهب؟

إذًا، السؤال المطروح مع سيناريوهاته، يُختصر بسؤال آخر: هل لبنان الكبير يستحقّ الحياة بعد، وهل من ضرورة للتمسّك به؟

بين الكيان الجغرافي والدولة

هذا السؤال يعكس، في نظري، إشكاليّة أساسيّة، تتعلّق بفهم لبنان الكبير وصلته بالجمهوريّة، حتّى يستقرّ الرأي ما إذا كان يستحقّ الحياة والتمسّك به أم لا، فندرك عندها أين المشكلة الحقيقيّة: هل هي في لبنان الكبير أم في الجمهوريّة؟ هذه الإشكاليّة مشروعة، لأنّ القرائن التاريخيّة، التي كانت واضحة عند البطريرك الحويّك، هي التي ستجيب عليها؛ وقد قال ديكارت يومًا في المنهج: لا بدّ من التمييز ليقوم الإيضاح.

وهنا لا بدّ من إيضاح مسألة في غاية الأهميّة، وهي تمييز لبنان الكبير ككيان جغرافيّ وسياسيّ، سابق للبنان الكبير 1920 في وعي البطريرك، من إنجاز استقلال دولة لبنان الكبير كجمهوريّة، الذي اعتُرف به سنة 1920، وتبنّي مبدأ الجمهوريّة بحسب بنية الجمهوريّة الثالثة في فرنسا.

هذا التمييز يبدو واضحًا في مذكّرة مطالب لبنان (les revendications du Liban) الشهيرة، التي رفعها البطريرك الحويّك إلى مؤتمر الصلح. فالحديث عن «مَطالب»، يعني أن المـُطالِبَ موجود، ويعرف حقّه التاريخيّ، ومطلُبه واضح، لكنّه يحتاج إلى تكريسه.

هذا المطلب أرساه البطريرك على ثوابت تاريخيّة، تدور كلّها حول ثابتة أساسيّة، هي حقّ اللبنانيّين في كيانهم اللبنانيّ المستقلّ. ومن هذه الثوابت:

* الكيان الجغرافيّ اللبنانيّ، الذي بدأ مع معاهدة البطريرك يوحنّا مخلوف والأمير فخر الدين الثاني الكبير؛ وكان البطريرك الدويهي يفتخر أن يكون جند الأمير مؤلّفًا من عشرين ألف مارونيّ. صحّة العدد لا تهمّ. وظيفة هذا العدد هي المهمّة هنا. وكان لهذه الإمارة، على رغم ما عرفته من صعود وهبوط، وتقلّص وتتمدّد لجغرافيّتُها، بنتيجة تعاظم أو تناقص سطوة الأمير فخر الدين وتحالفاته، لكنّها عرفت استقرارًا في أكثر الأوقات، من ضمن حدود معيّنة.

* الكيان السياسيّ اللبنانيّ: في سنة 1840، رفع البطريرك يوسف حبيش إلى الباب العالي مطالب بإصلاحات في جبل لبنان. ومن أهمّ ما جاء في هذه الوثيقة مطالبتُه صراحة بـــــــ: «حاكم [...] على جبل لبنان وأنطيلبنان [...]، وعلى أن يكون ديوان شورى في لبنان لأجل إدارة أحوال الجبل ومصالحه جميعًا». وفي الوثيقة الأساسيّة التي لم ترسل، نجد توسّعًا في شكل إدارة الجبل. والحديث لم يكن عن ديوان شورى، بل عن مجلس منتخب من الشعب (راجع، رياض غنّام، المقاطعات اللبنانيّة في ظلّ حكم الأمير بشير الشهابيّ الثاني ونظام القائمقاميّتين 1788-1861. بيروت 1998، ص520-525). تطوّر هذا الكيان السياسيّ مع القائمقاميّتين ومع المتصرّفيّة، ولو أنّه لم يعرف استقرارًا جغرافيًّا محدّدًا، بل هرف شبهَ بناء دستوريّ، هو نظام المتصرّفيّة. والدليل على أهميّة هذه التجربة في نظر البطريركيّة، مطالبة البطريرك الحويّك بإصلاحات للحكم في زمن المتصرّفيّة، كما ورد في وثيقة أرسلها إلى بول كومبان سنة 1912، يطالب فيها بالتدخّل في عمليّة تفسير «النظام في لبنان»، كي لا يبقى أسير الحاكم العامّ، الذي أنيطت به صلاحيّات واسعة، مع أنّ نظام السلطنة تغيّر من دون أن تتغيّر الصلاحيّات. وكتب رسالة أخرى لكومبان، بتاريخ 7 نيسان 1913، يعرض فيها ضرورة منح اللبنانيّين بعض الامتيازات، التي تخوّلهم العيش والنموّ، ومنها حقّ استعمال بعض مناطق الساحل، والاتصال بالبحر، والحصول على بعض عائدات الجمرك والبريد والتلغراف، للتخفيف من هجرة أهل الجبل (راجع، الخوري اسطفان ابراهيم الخوري، وثائق البطريرك الحويّك السياسيّة، زوق مصبح، طبعة أولى 2013، ص 77-78، 80-81). وفي مذكّرة مطالب لبنان، يعود البطريرك إلى كلّ اعتبارات الخصوصيّة والتاريخ والمؤسّسة السياسيّة، على ما يرد حرفيًّا: «شكّل اللبنانيّون دومًا كيانًا قوميًّا مميّزًا عن التجمّعات المجاورة، باللغة والعادات والتشابهات الفكريّة، وبثقافته الغربيّة». و«نظام المتصرّفيّة هو النظام الأساسيّ الذي أسّس الاستقلال»، وهو «بمثابة عقيدة حكم». و«استقلال لبنان مرتكز على تنظيم سياسيّ ثمّ برلمانيّ دام حتّى سنة 1908». و«في تاريخ عشرين أيّار 1919، أعلن البرلمان اللبنانيّ، الذي انتخبه الشعب، ونزولًا عند إرادة هذا الشعب، بالإجماع، استقلالَ لبنان. واليوم، بواسطة مندوبيه، يتشرّف بطلب الاعتراف بهذا الاستقلال».

الإعتراف الدولي

إذًا، لبنان في نظر البطريرك الحويّك موجودٌ ككيان جغرافيّ وسياسيّ، ينقصه اعتراف دوليّ، تنشأ عنه دولة مستقرّة. ومن الملفت أنّ البطريرك، تشبّثًا بهذه الحقيقة، انطلق من هاتين الثابتتين التاريخيّتين ليطالب الدول بعقوبات على تركيا، وطلب تعويضات بسبب ما ارتكبته. والمعلوم أنّ هذا النوع من المطالب تقوم به دولة تجاه دولة، كما ورد في المذكّرة: «معاقبة مرتكبي الفظائع، والمحرّضين عليها، ومنفّذي القتل في لبنان، من السلطات التركيّة والألمانيّة؛ -وفرضُ تعويضات على تركيا ضرورةٌ لإعادة إعمار لبنان وتأهيله، إذ كان العدوّ قد قضى على أهله بتجويعهم بطريقة منظّمة». ومن ثمَّ، رسمَ خطًّا واضحًا لهذا المطلب، عندما أوضح طبيعة انتدابه من الشعب اللبنانيّ: «رئيس وفد لبنان إلى مؤتمر الصلح، والعامل باسم الحكومة وباسم مجلس لبنان الإداريّ الذي انتدبه، كما وباسم سكّان المدن والأرياف اللبنانيّة، أو التي تطالب بانضمامها إلى لبنان؛ وهذا، من دون تمييز بين الأديان والطوائف، التي كلّفته بحسب الأصول؛ وتكليفُها مودعٌ، بهمّة وزير خارجيّة الجمهوريّة الفرنسيّة، في أمانة سرّ مؤتمر السلام العامّة». ومن ثمّ، أظهر المطلب أنّ دولة تطالب: بـــ«التماس عدالة مفوّضي القوى الحليفة والمتّحدة، المجتمعين في المجلس الأعلى  لمؤتمر السلام بما يلي: -الاعتراف باستقلال لبنان، الذي أعلنته الحكومة والشعب اللبنانيّ في العشرين من أيّار سنة 1919؛ -إرجاع لبنان إلى حدوده التاريخيّة والطبيعيّة، مع إعادة الأراضي التي سلختها عنه تركيا؛ -بعد إقرار مبدأ الإنتداب في مؤتمر الصلح في فرساي في الثامن والعشرين من حزيران سنة 1919، ومن دون المسّ بحقّ لبنان في السيادة، عُهد بهذا الانتداب إلى الجمهوريّة الفرنسيّة، التي، وفقًا للمادّة 22 من ميثاق عصبة الأمم، تتكرّم بتقديم العون وبإسداء النصح للبنان».

هذه المعطيات التاريخيّة تضعنا أمام صورة مختلفة عمّا رسخ في ذهن الكثيرين منّا، أنّ لبنان الكبير كان هديّة فرنسا للبطريرك؛ وأنّ البطريرك سكر بهذه التقدمة، فلم يحسب حساب المستقبل. وهذا يناقض أيضًا زعمَ مَن يزعمون أنّ لبنان «غلطة تاريخيّة». فلبنان وليد صيرورة تاريخيّة. وفي الصيرورة يتجلّى الروح في التاريخ كما يقول هيغل.

بين الدستور والأعراف

أمام هذا المعطى، يتّضح معنى السؤال الذي طرحناه: هل المشكلة الحقيقيّة في لبنان الكبير أم في الجمهوريّة؟

في اعتقادي أنّ دراسة معمّقة لهذا السؤال لم تتمّ بعد، في ضوء منهج علميّ صريح. والقضيّة طُرحت مع مجيء الفرنسيّين بالدستور سنة 1924، حتّى استقرّ سنة 1926. والمشكلة الأولى التي برزت أنّ الفرنسيّين حاولوا إسقاط الدستور، دستور الجمهوريّة الثالثة على دولة لبنان الكبير، فقام اعتراض من أعضاء المجلس في لبنان، مدافعين عن الخصوصيّة اللبنانيّة، كما ظهرت في المتصرّفيّة. فنتج من ذلك، الدستورُ الذي عُمل به منذ 1926 وحتّى الطائف.

على الرغم من ذلك، ظلّ الطابع الفرنسيّ للدولة مسيطرًا على الدستور، ولم تجرِ علميّة تلقيح، أو كما يقال اليوم: انثقاف فعليّ. فرتّب ذلك قيامَ ازداوجيّة: بنية دستوريّة لدولة علمانيّة يعقوبيّة، وتقليد نابع من تجربة تحتاج إلى دولة من نوع آخر. هذه في نظري، هي العقبة الأساسيّة التي ظهرت مع تكريس استقلال لبنان الكبير. وهذا ما سيظهر بوضوح أكبر مع ميثاق 1943، الذي جعل لبنان مقسومًا بين الدستور والأعراف. هذه الازدواجيّة هي أساس وهَن الجمهوريّة. بعد مئة عام على لبنان الكبير، لا بدّ من إعادة النظر في هذه المعضلة الرئيسيّة وتمحيصها.

الإقطاع العائلي والحزبي وأزمة إدارة الدولة

من ثَمّ، ثَمّة مسألتان أخريان تستنزفان الجمهوريّة، وتستغلّان هذا التناقض وتبتزّانه:

- طبقة سياسيّة، منطقُها امتدادٌ لمنطق الإقطاع، الذي لا يرقى في الغالب، وبأيّ شكل من الأشكال، إلى مستوى الخير العامّ. وهذه الذهنيّة يهمّها أن تعطّل الدستور لصالح ابتزاز خصوصيّة التركيبة اللبنانيّة من منطلقات الطائفيّة. وهذا ما برز بقوّة في الحرب اللبنانيّة، حيث ظهر إقطاعٌ جديد تحت غطاء تقليديّ عائليّ: حزبيّة عائليّة. ومَن لم يحظَ بذلك، انضوى في أحزابِ لا شكلٍ إقطاعيّ، وما لبث أن انتقل إلى إقطاعيّات طائفيّة، جماعيّة أو شخصيّة، وفي الغالب شخصيّة بستار طائفيّ.

- الاقتصاد، ظلّ رهين اللعبة، التي اختصرها أسد رستم في كتابه لبنان في عهد المتصرّفيّة بقوله: «وشمل اهتمامُ رجال الإصلاح في عاصمة السلطنة التجارةَ، فوقّعوا اتفاقًا في السنة 1845 مع الخواجات أليون وبلطجي، قضى بتعهّد هذين الصرّافين بتموين أسواق العاصمة بحوالات على فرنسة ولندن، يبقي سعر الليرة الإنكليزيّة بموجبها مئة وعشرة غروش عثمانيّة، وذلك لقاء مساعدة ماليّة من خزينة السلطنة، بلغت مليوني قرش. وأدّى نجاح هذا المشروع، في نهاية سنته الأولى، إلى تجديده سنة ثانية. وعند انتهاء هذه، أسّس الخواجات أليون وبلطجي شركةً، برعاية الحكومة العثمانيّة، أطلقا عليها اسم بنك الآستانة». (المطبعة البولسيّة، لبنان 1987، ص120). ولا ننسَينَّ هنا ما جرى في الحرب العالميّة الأولى، أثناء المجاعة واستغلال البعض لها. وفي الحرب اللبنانيّة، لا ننسى كارتلات الحصريّة. وبعد الحرب أتى اقتصادٌ، لم تُعرف بعد وجهتُه، لصالح لبنان. كلّ ذلك يدلّ أنّ الاقتصاد عندنا لا صفة اجتماعيّة له، يراكم أرباح البعض مقابل إفقار الكثيرين. هذه هي الشطارة اللبنانيّة، حتّى بلغ الأمر بأحدهم حدَّ القول: «دولة سرّاقة في مجتمع سرّاق».

لمراجعة التناقض في بنية الدستور

أعتقد أنّ الدخول في المئويّة الثانية، بعد المئة الأولى، يحتاج إلى مسألتين:

الأولى، اعتقاد راسخ أنّنا، كما يقول غدامر: «نولد للتقليد»؛ والتاريخ لا يعود إلى الوراء في الدول، بل ينطلق من حقبة إلى حقبة تاريخيّة أخرى في ضوء إلهام روح التأسيس لمن ينفتح عليه.

الثانية، يقول هيغل: «الفرد ابن زمنه»، فضلُه أن يعيش زمنَه بطريقة أفضل؛ ما يعني أنّ مراجعةً للتناقض المغروس في بنية دستورنا هي أمرٌ محتوم. وسيظلّ هذا العائق حاجزًا في تقدّم الجمهوريّة، حتّى رفعِه بطريقة تتناسب والتجربة التاريخيّة، وإلّا كُتبت على لبنان الأزماتُ باستمرار. وهذه المراجعة تحتاج إلى كسر القيد الذي تفرضه الاقطاعيّة السياسيّة، بوعي عمليّة الاستغلال التي تحدث في بنية المجتمع والدولة. وهذا لا بدّ من أن يترافق مع مراجعة جذريّة للاقتصاد، الذي هو في حقيقته عمليّة تبادل مصلحيّ بين الحكّام والقوى الاقتصاديّة.

القضيّة الأساس ليست قضيّةً كيانيّة، بل قضيّة خيار، للانتقال إلى جمهوريّة تشبه كياننا، وتحقّق مستقبلًا لنا؟

المصدر: اليوم الثالث
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!