عز الدين أبو عيشة

الأثنين ٢٣ كانون الأول ٢٠٢٤ - 20:50

المصدر: independent عربية

البرد يقتل أطفال غ*ة… عدو جديد ولا تدفئة للوقاية منه

كانت ليلة قاسية، فالظلام دامس جداً والقمر غائب، والسماء ملبدة بالغيوم، والرياح القوية تضرب المنطقة الإنسانية في غزة، الكل نيام في خيامهم، إلا خيمة غدير بها ضوء خافت فهي مستيقظة تحضن حفيدتها الصغيرة لتمنحها الدفء.

لاحظت الجدة أن حفيدتها عائشة التي تبلغ من العمر 20 يوماً باردة جداً وجسدها تحول لونه إلى الأزرق، وترتعش الصغيرة بسرعة من شدة البرد، درجة الحرارة في وقتها كانت تقترب من الثلاثة مئوية.

تجمد الدم في العروق

بحثت الجدة في المأوى المصنوع من القماش وقطع النايلون المهترئة الذي تعيش فيه برفقة حفيدتها عائشة عن أغطية، لكنها لم تجد سوى بطانية واحدة، تقول غدير “هذه نفس الغطاء الذي ألف به جسد الصغيرة”.

غفت الرضيعة وجسدها بارد، ونامت الجدة بعمق من شدة التعب، طوال الليل لم يهدأ الطقس كانت الرياح الباردة تتسلل إلى الخيمة وتضرب جلد السيدة والطفلة، ودرجات الحرارة تنخفض أكثر فأكثر.

في الصباح استيقظت غدير تفحص جسد حفيدتها، فصعقت كثيراً عندما وجدت جسدها أزرق ونفسها مقطوعاً، صرخت بصوت عال جداً “عائشة ماتت”، وحملتها إلى مستشفى وسط القطاع لتفقد حالتها الصحية.

فارقت الحياة

بعد الفحص طأطأ الطبيب رأسه أرضاً وقال “الصغيرة عائشة فارقت الحياة”، لم تصرخ الجدة غدير واكتفت فقط بتساقط دموعها على وجنتيها، بينما أكمل العامل الصحي مهمة الإشراف على جثة الرضيعة.

تبين من الفحص أن الدم تجمد في عروق الرضيعة عائشة وماتت من شدة البرد. وتعد تلك الطفلة ثالث حالة يقتلها البرد في المنطقة الإنسانية، وهذا ما ينذر بكوارث ستحل بالنازحين في المنطقة الإنسانية جنوب غزة خصوصاً مع دخول “المربعانية”.

و”المربعانية” هي فترة من فصل الشتاء، تتميز بأنها شديدة البرودة، ويخشاها النازحون في جنوب غزة كثيراً، إذ يعيشون في خيام بالية وينامون على أرض طينية مبللة دائماً بالماء. وفي تلك الفترة سيواجه سكان غزة أزمة إنسانية أشد قسوة من حياتهم البائسة الحالية.

 

حالة أخرى

وتقول الجدة غدير، “لقد قتل البرد الشديد الرضع، لا وسائل تدفئة لدينا، نعيش حياة بدائية جداً، وكأننا في العصور الوسطى، نحن الكبار لا نستطيع مواجهة هذا البرد، فما بالك في الأطفال الرضع، الواضح أن هذا العام سيمر الشتاء على شكل عدو جديد للنازحين في غزة”.
وفي حالة أخرى توفي الطفل عدنان البالغ من العمر 45 يوماً، نتيجة انسداد الشعب الهوائية بسبب البرد. وقال الطبيب المتابع لحالته، “وصل الطفل من خيام مهترئة إلى نقطة طبية لا أدوية بها، وكان في حالة صعبة، وفارق الحياة بعد ساعتين من محاولة إنقاذه”.

وتتفاقم معاناة النازحين الذين يقيمون في خيام مهترئة في أوقات المنخفضات الجوية التي تضرب قطاع غزة، ويصبحون عاجزين عن تدفئة أجسادهم نتيجة نقص وسائل التدفئة، وتعرض الأطفال وكبار السن للأمراض في ظل انهيار النظام الصحي ونقص الأدوية.

الركض وسيلة للتدفئة

أمام الملجأ الموقت الذي تعيش به فيروز يركض الأطفال في محاولة لتدفئة أجسادهم بالحركة، لكن هذه الطريقة غالباً ما تبوء بالفشل، بينما يجلس كبار السن أمام خيامهم بصمت مطبق وعيونهم شاخصة في السماء الملبدة بالغيوم.
تقطع هذا المشهد فيروز لتشرح عن البرد في الخيام قائلة، “هنا المخيم بدائي جداً، الأرض طينية وغير مفروشة بأي شيء. نضع فراشنا على التربة وننام. أوضاعنا ليست إنسانية، وما نعيشه لا يليق بالبشر نهائياً”.

كما تشعر عائلة سلوى بالبرد من كل الاتجاهات، مرة من الرياح القوية، وتارة عندما يحسون وكأن البرد يخرج عليهم من التربة الطينية الرطبة، ومرة من المطر، وتقول “في كل الحالات لا وسائل تدفئة لدينا، نعتمد على بطانيات وملابس ثقيلة لكن هذه محاولات يائسة”.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها