نادين الكحيل

الأربعاء ١٦ تموز ٢٠٢٥ - 14:07

المصدر: صوت لبنان

لبنان بين فكي البراغماتي والدوغماتي

يشهد لبنان مرحلة حساسة ومفصلية تاريخية، تعيد تشكيل خارطة التوازنات الداخلية وبناء العلاقات الاقليمية والدولية على قاعدة سيادة الدولة، وأمام الدعم الدولي والرسائل المتبادلة بين الموفد الامريكي والسلطات اللبنانية، وفي خضم الأزمات والتحديات المتلاحقة، يقبع لبنان بين فكي البراغماتي الذي يستغل الفرص من خلال المرونة في التعاطي مع التحديات ويحسن ادارة ملفات الدولة، وبين الدوغماتي الذي يقتل الفرص حيث يتشبث بأيديولوجيات جامدة ويتمسك بإنتماءات خارج حدود الوطن ويتبع مواقف أحادية على حساب المصلحة الوطنية.
ومن هنا تبرز المعضلة الكبرى في هذه المرحلة المصيرية التي تطرح بعض الأسئلة الجوهرية : هل سيحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية؟ وماهي آليات حصر السلاح؟ وماهي الفترة الزمنية لتنفيذ ذلك ؟
تدل جميع المؤشرات الحالية، على ان القرار قد اتخذ نحو حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وضوح الآلية التي ستتبع لتنفيذ ذلك، وعدم تحديد المهلة الزمنية لنزع السلاح غير الشرعي.
فمن جهة، تبرز البراغماتية اللبنانية في مواقف بعض القوى السياسية التي باتت تدرك أن النجاة من الانهيار تتطلب تسويات بعيدة عن الحسابات الطائفية أو الالتزامات الأيديولوجية الصلبة، وواقعية اقتصادية، وانفتاحاً إقليمياً ودولياً، حيث عبرت عنه الحكومة اكثر من مرة عبر العودة الى الحاضنة العربية، فالتفاهمات العابرة للطوائف، ومحاولات تدوير الزوايا، والسعي وراء توافقات محلية وخارجية، أصبحت في نظر البعض السبيل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من دولة تتآكل مؤسساتها، من خلال مقاربة المشكلات بمنطق المصلحة العامة.
وفي المقابل، ما زالت أطراف أخرى تتمسك بخطابات دوغماتية، تستند إلى عقائد جامدة وأيديولوجيات مغلقة، تعيد إنتاج الانقسام والتشرذم، وتستحضر ذاكرة الحرب الأهلية عبر تهديدات علنية لكل من تجرأ على المطالبة بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، كما يماطلون ويعطلون تنفيذ الاصلاحات البنيوية بذريعة التدخلات الخارجية، ويرفعون شعارات شعبوية ويرفضون التأقلم مع المستجدات الاخيرة.
أمام هذا الواقع، يتضح جلياً، أن البراغماتية ليست بالضرورة نقيضاً للمبادئ، بل قد تكون مساراً لحمايتها في زمن الانهيار، حيث يشير الفيلسوف الامريكي دانيال دينيت الى ان :” البراغماتي لا يعبد الحقيقة، بل يطوعها لما يخدم الإنسان”، حيث لا يُنظر إلى الحقيقة كقيد أو واجب، بل كأداة يمكن تحويلها وتطويعها لتمكين الأفراد والمجتمعات من مواجهة تحدياتهم. أما الدوغماتية، حين تتحول إلى جمود قاتل، فإنها تصبح أداة لتدمير ما تبقى من مقومات الوطن للحفاظ على قناعتها وسلطتها، وهذا ما أثاره الفيلسوف الالماني فرديريك نيتشه حين انتقد الدوغماتية بقوله: “أسوأ عدو للحقيقة ليس الكذب، بل القناعة”، يشير إلى أن القناعة المطلقة (الدوغماتية) أخطر من الكذب، لأنها تمنع الإنسان من البحث الحر أو التصحيح، فليست الحقيقة هي ما تخشاه الدوغماتية، بل زوال السلطة التي تمنحها الحقيقة المزعومة.
وبالتالي، فإن الازمة في لبنان تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، فالصراع بين هذين النهجين يظهر بوضوح في مقاربة الملفات الحساسة: (كملف العلاقات مع الخارج، ملف السلاح غير الشرعي، إصلاح القضاء….). كما ان استمرار التنازع بين البراغماتي والدوغماتي، دون تغليب منطق الدولة، سيبقي لبنان رهينة الشلل السياسي والاقتصادي القاتل، وضحية لهشاشة أمنية وعدم استقرار داخلي.
ان لبنان أمام فرصة ذهبية لبناء عقد اجتماعي جديد وولادة مشروع سياسي حديث يوازن بين الواقعية والمبادىء، يرتكز على رؤية وطنية جامعة تؤسس لدولة مدنية عابرة للطوائف تواكب التطورات الاقليمية والدولية، قائمة على احترام سيادة القانون واستقلالية القضاء وحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية .

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها