فرانسوا ضاهر

الأربعاء ٢٠ آب ٢٠٢٥ - 07:50

المصدر: صوت لبنان

التوصيف القانوني لعملية تحويل الوديعة بالعملة الاجنبية الى الخارج بعد 17/10/2019

في التوصيف القانوني لعملية تحويل الوديعة بالعملة الاجنبية الى الخارج بعد 17/10/2019 :

1- إن القاعدة الأساس هي أن الوديعة المصرفية هي قابلة للتصرّف بها على النحو الذي يرتئيه العميل، تبعاً لبنود تعاقده مع المصرف المودعة لديه. وذلك إستناداً الى حكم المادة 307 ق.ت.:

” إن المصرف الذي يتلقى على سبيل الوديعة مبلغاً من النقود يصبح مالكاً له ويجب عليه أن يردّه بقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدّة دفعات عند أول طلب من المودع أو بحسب شروط المهل أو الإعلان المسبق المعيّنة في العقد. ”

” ويجب أن يقام البرهان بوثائق خطّية على جميع العمليات المختصّة بالوديعة أو بإرجاعها. ”

على إعتبار أن ” الإيداع عقد بمقتضاه يستلم الوديع من المودع شيئاً منقولاً ويلتزم حفظه وردّه. ” (690 م.ع.).

وإنه ” إذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود أو أشياءً من المثليات وأذن للوديع في استعمالها، عدّ العقد بمثابة عارية إستهلاك ” (691 م.ع.).

وإنه ” يتمّ عقد الإيداع بقبول الفريقين وبتسليم الشيء ” (695 م.ع.).

وإنه ” يجب على الوديع أن يسهر على صيانة الوديعة كما يسهر على صيانة أشيائه الخاصة… ” (696 م.ع.).

وإنه ” تخضع الودائع لأحكام المادة 307 من قانون التجارة ” (123 ق.ن.ت.).

وبذلك تكون القاعدة المتفرّعة عن القاعدة الأساسية هي أنه يحق للمودع أن يتصرّف بوديعته على النحو الي يرتئيه، لا سيما أن يحوّلها له الوديع الى الخارج.

2- غير أن هذا الأمر أصبح متعذّراً بعد إندلاع الأزمة المصرفية – النقدية في لبنان بدءاً من 17/10/2019 حيث أعلنت كلّ المصارف في لبنان أنها في حالة شحّ حاد في سيولتها، نتيجة إقتراض الدولة اللبنانية ومصرف لبنان لودائع المودعين المودعة لديها، وثبوت عجزهما أو حتى إمتناعهما عن ردّ الأموال التي إقترضاها منها.

الأمر الذي وضع المصارف في لبنان في وضعية يستحيل عليها معها ردّ ودائع المودعين بالحجم الذي يطلبه عملاؤها وفق التفاهمات التي أبرمتها معهم.

ما جعل مصرف لبنان يتدخّل ويصدر تعاميم متعاقبة الى المصارف نظّم بموجبها كيفية تعاملها مع عملائها وقد حدّد فيها حجم السحوبات النقدية التي يعود لهؤلاء العملاء سحبها من ودائعهم لديها. لا سيما التعاميم رقم 151 و154 و158 و166 و169 وغيرها.

3- غير أن بعضاً من المصارف بادرت، ما قبل 17/10/2019 وإبان هذا التاريخ وبعده، الى إتمام تحويلات مصرفية الى الخارج، بناءً على طلب فئة معيّنة أو مختارة من عملائها (catégorie de clientèle privilégiée)، بمبالغ مالية ضخمة من أصل ودائعهم لديها أو حتى بكامل القيمة الدفترية لتلك الودائع. الأمر الذي قلّص الى حدّ كبير حجم السيولة التي كانت متبقية في تلك المصارف والمعدّة لأن تلبّي إحتياجات وحقوق سائر المودعين لديها.

4- من هنا، تطرح مسألة التوصيف الذي يمكن أن يعطى لإقدام المصارف على تلبية بعض محدّد من عملائها وتحويل ودائعهم الى الخارج، خارج الضوابط والقيود والسقوف التي وضعها مصرف لبنان عليها بالتصرّف بباقي السيولة المتوافرة لديها.

5- إن الجواب على هذه المسألة ينطلق من واقع أن كلّ المصارف العاملة في لبنان قد وقعت في حالة شحّ حاد في سيولتها بدءاً من 17/10/2019، وأن هذا الواقع قد بات معمّماً على الملأ ومعلوماً من جميع عملاء هذه المصارف. بحيث إن السيولة المتبقية لديها قد أضحت معدّة لأن توزّع على جميع عملائها بالتساوي، وفق التعاميم التي كان قد بادر مصرف لبنان الى اصدارها تباعاً، والتي كانت تحدّد سقف السحوبات النقدية وكيفية إستيفائها والعملة التي كانت تُستوفى بها.

حتى يصحّ القول بأن هذه المصارف كانت في ذلك الحين في وضعية المتوقّفة عن الدفع، بالمفهوم الواقعي، وليس بالمفهوم القانوني والقضائي لهذا المصطلح، لأنه لم يكن قد صدر أي حكم او قرار عن المحكمة الإفلاسية المختصّة يعلن حالة التوقّف عن الدفع هذه.

6- غير أنه إنطلاقاً من هذا الواقع بحدّ ذاته، واقع توقّف المصارف عن الدفع، كان يتعيّن عليها كمدين تجاه مودعيها ألاّ تقدم على إيفاء البعض من مودعيها الدائنين المختارين على نحو يضرّ بكتلة سائر مودعيها، الدائنين ايضاً. بفعل تخصيص جزء قيّم من بقية السيولة المتوافرة لديها لإيفاء البعض من هؤلاء العملاء المختارين على حساب الآخرين. وذلك على ذات النحو الذي نصّت عليه المادة 690 ق.ع. التي تقول :

” يعتبر مفلساً مقصِّراً ويعاقب بالحبس من شهر الى سنة كلّ تاجر متوقّف عن الدفع. … 3- إذا أقدم بعد التوقّف عن الدفع على إيفاء دائن إضراراً بكتلة الدائنين “.

كما وعلى النحو الذي نصّت عليه المادة 699 ق.ع. الواردة خارج النبذة المتعلّقة بالإفلاس، والتي تقول :

” إن المدين الذي يقوم بقصد إضاعة حقوق الدائنين … على إنقاص أمواله بأي شكلٍ كان، ولا سيما … بالإقرار كذباً بوجود موجب أو بإيفائه كلّه أو بعضه أو بكتم بعض أمواله أو تهريبها … يعاقب بالحبس مع الشغل من شهر الى ستة أشهر وبغرامة …”.

7- بحيث يستفاد من هذين النصّين، إن إقدام المصرف على تحويل اموال عميله المختار (client privilégié) الى الخارج، خارج القيود التي وضعها مصرف لبنان، منتقصاً بذلك من حجم بقية السيولة المتوافرة لديه، وعلى نحو أضرّ لزوماً وحتماً بحقوق سائر الدائنين المودعين لديه، من شأنه أن يشكّل عناصر الجرم المنصوص عنه بالمادة 699 ق.ع.. على إعتبار أنه لم يُعلن قضائياً توقف المصرف المذكور عن الدفع، حتى يطبَّق بحقّه نص المادة 690 من القانون نفسه.

وإن العميل المختار الذي إستفاد من تحويل أمواله الى الخارج مع علمه اليقين والشائع بوضعية الشحّ في السيولة الواقع فيها المصرف الذي أودع فيه وديعته، وبوجود قيود من مصرف لبنان على سحوباته المصرفية بعد 17/10/2019، وبأن مصرفه لم يعد في وضعية مادية تمكّنه من إيفاء جميع مودعيه ودائعهم على ذات النحو الذي تمّ فيه تحويل وديعته الى الخارج، يكون في وضعية المتدخل بمفهوم المادة 219 وما يليها ق.ع. في الجرم المقترف من قبل مصرفه.

8- ولا يرد على ما تقدّم، بأن العميل المختار قد طلب من مصرفه تحويل وديعته الى الخارج إنفاذاً لبنود عقد الوديعة الذي يربط في ما بينهما. ويكون من هذه الزاوية حسن النيّة ولا يمكن أن يُنسب اليه أي تدخّل في فعل المصرف الجرمي.

ذلك أن معرفته بسقوط كامل القطاع المصرفي في لبنان في حالة شحّ في سيولته التي طالت جميع مودعيه على الأراضي اللبنانية، لسبب يخرج عن إرادته بالذات ويعود الى تلكوء أو تنكّر السلطات العامة في لبنان لردّ مديونيتها الى المصارف، بدليل عملها على إقرار قانونيْ إعادة هيكلة القطاع المصرفي والإنتظام المالي. كما وإن تجاوزه لكلّ هذه الإعتبارات وذهابه الى تحصيل وديعته بتحويلها الى الخارج بالتفاهم مع مصرفه ملحقاً الضرر ببقية المودعين، لا يمكن توصيفه بحسن النية، المستمدة من بنود عقد الوديعة، التي تمكّنه من التنصّل والتبرّؤ من المسؤولية الجنائية.

9- ضمن هذا المنحى يُفهم ويُفسّر قرار المدعي العام المالي الذي ورد فيه :

” تكليف الأشخاص الطبيعيين والمعنويين ومنهم مصرفيون بإيداع مبالغ في مصارف لبنانية تساوي المبالغ التي قاموا بتحويلها الى الخارج خلال الأزمة المصرفية والمالية التي مرّت بها البلاد وبذات نوع العملة، بهدف إعادة إدخالها في النظام المصرفي اللبناني وذلك خلال مهلة شهرين، بإشراف النيابة العامة المالية ووفقاً للشروط التي تضعها “.

أما الأموال التي حُوِّلت الى الخارج بصورة مخالفة لتعاميم مصرف لبنان، التي نظّمت السحوبات والتحويلات المصرفية الخاصة بودائع المودعين في المصارف اللبنانية بعد 17/10/2019، إنما تخضع لموجب الردّ، من باب التدبير الاحترازي الذي يعود للنائب العام المالي اتخاذه لوقف الفعل الجرمي المتمادي والمتمثل بالاستحواذ على الأموال التي تمّ تحويلها الى الخارج بصورة غير مشروعة، وذلك لغرض إعادة تكوين كتلة السيولة المتبقية لدى المصارف وتوزيعها على مودعيها وفق القيود والضوابط التي يضعها مصرف لبنان بتعاميمه.

حتى يصحّ الإستنتاج بأن مداعاة المصارف وعملائها المختارين، جزائياً، لغرض تعزيز الكتلة النقدية المؤهّلة لتوزيعها على سائر المودعين لدى تلك المصارف، إنما تكون واقعةً في موقعها الصحيح.

10- اما في ما يتعلق بمدى تأثير حالة الشحّ في سيولة القطاع المصرفي على بنود عقد الوديعة المصرفية بحدّ ذاته، فيمكن قول التالي :

10/أ- في الواقع إن ” حالة الشحّ في السيولة ” التي وُجد فيها القطاع المصرفي في لبنان بكلّ مصارفه العاملة، إنما تأتت ” بفعل السلطة ” (fait du prince) التي إقترضت كلّ السيولة المتكوّنة من ودائع المودعين لديه وامتنعت عن ردّها اليه. ما يعتبر بحكم الفعل الخارجي (fait extérieur) غير المتوقّع وغير المحتسب (imprévisible) وغير الممكن تجاوزه أو تلافيه (insurmontable)، الذي يَتّخذ طابع القوة القاهرة (force majeure) بكلّ مفاعيلها في علاقة المودع مع مصرفه. بحيث أضحى هذا الأخير في وضعية الإستحالة المادية من ردّ وديعة المودع وفق بنود وقواعد تعاقده معه.

10/ب- حتى يمكن في مثل هذه الحالة إعتبار عناصر المادة 341 م.ع.، محقّقة، وهي تقول :

” يسقط الموجب إذا كان، بعد نشأته قد أصبح موضوعه مستحيلاً من الوجه الطبيعي أو الوجه القانوني بدون فعل أو خطأ من المديون ”

كما يمكن وفق حكم المادة 343 م.ع. القول أيضاً : ” أن ذمة المديون (المصرف) لا تبرأ من أجل القوة القاهرة إلاّ بقدر إستحالة التنفيذ فيمكن إذاً أن لا يكون سقوط الموجب إلاّ جزئياً ”

10/ج- بحيث يصحّ الاستنتاج من هذين النصين :

10/ج/1- إن المصرف لم يعد ملتزماً بردّ وديعة المودع إلاّ ضمن السقوف والشروط والضوابط التي يحدّدها مصرف لبنان للمصارف لردّها، بالنظر لحجم السيولة المتبقية لديها.

10/ج/2- وإن الموجب الواقع على المصرف بردّ وديعة المودع يمكن أن لا يسقط بكلّيته، بل يخضع لتعديلٍ لجهة كيفية ومقدار ردّه، كما لجهة المدى الزمني لإتمام ذلك.

10/د- وإنه، ضمن هذا الإطار، لا يمكن أن يُنسب للمصارف في لبنان ارتكابها خطأً يحول دون تذرّعها بمفاعيل القوة القاهرة. ذلك أن السلطة في لبنان هي التي حملتها على إقراضها أموال المودعين المودعة لديها، على إعتبار أن دينها لها هو من فئة ” الديون السياديّة الممتازة ” الأعلى مرتبةً والأكثر ضمانةً، وأنها لن تتوانى عن ردّ الأموال التي إقترضتها منها حتى لا تتسبّب في إنهيارها وسقوطها بفعل النقص الحاد الذي تكون أحدثته في سيولتها.

11- لــــــــــــــــــــــذا، وفي المحصّلـة:

11/أ- تكون الوديعة المصرفية في لبنان، لناحية ردّها الى المودع، قد أضحت خاضعة للنظام الذي يقرّه مصرف لبنان بفعل التعاميم التي تصدر عنه تباعاً ويطلب الى المصارف تعميمها على زبائنها. بحيث إن كلّ تحويل الى الخارج يجريه المصرف لمصلحة عميله خارج الضوابط والقيود التي يضعها مصرف لبنان يضحي واقعاً تحت حكم المسؤولية الجنائية التي نصّت عليها المادة 699 ق.ع..

11/ب- كما وإنه، بحكم ” القوة القاهرة ” المحقّقة “بفعل السلطة “، يكون قد تمّ تعديل الموجبات التي أنشأها عقد الوديعة المبرم بين المصرف وعميله، حتى جعله متوافقاً مع التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان التي نظّمت عملية إيفائها كمّاً ونوعاً ومهلاً، وبالتساوي في ما بين جميع المودعين في المصارف على كامل الأراضي اللبنانية.

11/ج- علماً أن القضاء في لبنان قد تعامل مع واقع انهيار القطاع المصرفي بكلّيته، ” بفعل السلطة ” التي تسبّبت في توقفه عن الدفع نتيجة الشحّ الحاد الذي أحدثته في سيولته والمتأتي من تمنّع الدولة اللبنانية ومصرف لبنان عن ردّ مديونيتهما اليه، وكأنه حالةً منفردةً، كحالة مصرف متعسّر، وليس حالةً وطنيةً شاملةً.

حتى ذهب به الأمر، على مدى سنوات الازمة وحتى تاريخه، الى إعمال بنود عقد الوديعة بحرفيته، وتجاهل مضامين تعاميم مصرف لبنان المنظمة لتوزيع السيولة النقدية المتبقية في المصارف على جميع المودعين بالتساوي، وعدم التوقف عند مدى الضرر اللاحق بسائر المودعين العاجزين عن تحمل نفقات التقاضي، وذلك عند فصله بمطالبات المودعين لودائعهم بوجه مصارفهم والزامه هؤلاء بسدادها كاملة وفق قيمتها الدفترية نقداً او بتحويلها لهم على ذات النحو والمقدار الى الخارج.

من دون أن يثير هذا المنحى الاجتهادي حفيظة الهيئة العامة لمحكمة التمييز حتى تتدخل وتنظر في المسألة المطروحة بأبعادها وذيولها فتطرح – ولو أدبياً – سلوكاً قضائياً منصفاً عادلاً ومتبصّراً.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها