شفيق طاهر

الخميس ٢١ آب ٢٠٢٥ - 12:58

المصدر: صوت لبنان

“يوم كيو-داي” او حين تنهار حصون الأمان الرقمي في العالم

يعيش العالم لحظة مفصلية في مسار تطوّر التكنولوجيا، لحظة لا تتجسد في صاروخٍ فرط صوتي، ولا في شبكة ذكاء اصطناعي خارقة، بل في كيان صغير يعرف بـ”الكيوبت”. إنه قلب الحاسوب الكمّي، التهديد الصامت الذي قد يغير شكل العالم الرقمي كما نعرفه. ويوم أن يتمكّن هذا الحاسوب من كسر التشفير الذي يحمي بياناتنا، سيبدأ ما يسميه الخبراء بـ”كيو-داي” (Q-Day). يوم لا يشبه أي يوم قبله، وربما لن يأتي بعده شيء كما كان قبله.
ما هو “يوم كيو-داي”؟ ولماذا كل هذا القلق؟
يطلق خبراء المعلوماتية على اللحظة التي تنجح فيها الحواسيب الكمّية في كسر أقوى أنظمة التشفير العالمية اسم “كيو-داي” – اختصارًا لـ”Quantum Day”. هذا اليوم ليس مجرد إنذار علمي، بل تهديد حقيقي لمجمل البنية التحتية الرقمية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، وأمن الأفراد، وخصوصية الحكومات والمؤسسات.
كلمات المرور، حسابات البنوك، رسائل البريد، العقود الرقمية، شبكات الطاقة، وحتى الأنظمة العسكرية… كلها قد تصبح فجأة بلا قفل ولا بوابة.

من الحوسبة الكلاسيكية إلى الكمّية
تعتمد الحوسبة التقليدية على وحدات ثنائية (0 و1)، بينما تستخدم الحواسيب الكمّية وحدات تعرف بـ”الكيوبت”، يمكن أن تكون في حالتين (0 و1) في الوقت ذاته، بفضل ظواهر كمّية معقدة. هذه القفزة تعني ببساطة، قدرة حسابية خارقة تفوق ملايين المرات ما نعرفه اليوم.
وهنا تكمن الخطورة، ما يحتاج إلى آلاف السنين لكسره عبر حواسيبنا الحالية، قد لا يحتاج أكثر من دقائق أمام حاسوب كمّي متطوّر.
ما الذي يجعل “كيو-داي” مخيفًا إلى هذا الحد؟
يعتمد العالم اليوم على أنظمة تشفير مثل RSA وECC هو ما يجعل معاملاتنا اليومية من تحويل الأموال إلى إرسال الرسائل بريد إلكتروني آمنة. ولكن هذه الأنظمة تصبح بلا جدوى أمام حاسوب كمّي متقدم.
الأسوأ من ذلك أن بعض الجهات بحسب تقارير استخبارية وتقنية بدأت منذ الآن في تخزين كميات هائلة من البيانات المشفرة بانتظار اللحظة التي تصبح فيها عملية فكها ممكنة. هذه الاستراتيجية تعرف في أوساط الأمن السيبيري باسم، “احصد الآن، فك لاحقا” (Harvest Now, Decrypt Later).
هل نحن قريبون من “كيو-داي”؟
رغم أن الحواسيب الكمّية لا تزال في طور التطوير، إلا أن العالم لا يتحرك على وتيرة واحدة. ففي حين تعكف شركات المعلوماتية العملاقة مثل Google وIBM وغيرها على تطوير نماذجها، تعمل الصين على برنامج كمّي مغلق وغير شفاف يثير قلق العواصم الغربية، في سباق على من سيكون له الأسبقية في الحصول على الحاسوب الكمّي.
تشير التقديرات إلى أن قدرة حاسوب كمّي على كسر التشفير العالمي قد تتحقق خلال عقد أو اثنين (بين عشرة وعشرين عام). لكن السيناريو الأسوأ ليس أن يأتي “كيو-داي” فجأة، بل أن باتي دون أن نكون مستعدين له، أو أن تستخدمه جهة ما بشكل سري.
كيف تستعد الحكومات لهذا السيناريو؟
في مواجهة هذا التهديد، بدأ سباق مواز لبناء نظام أمني جديد. يعرف بـ”تشفير ما بعد الكمّ”، أو Post-Quantum Cryptography). PQC، وهو نوع من التشفير يفترض أن يكون آمنا حتى في عصر الحوسبة الكمّية.
الولايات المتحدة، وعبر “المعهد الوطني للمعايير والتقنية ” (NIST)، بدأت في اعتماد بروتوكولات جديدة تقاوم هذا التهديد. شركات مثل Cloudflare وGoogle وAmazon بدأت بالفعل بتجريبها. لهذه البروتوكولات.
أما في أوروبا، فقد أدرج الاتحاد الأوروبي التهديد الكمّي ضمن خططه للأمن السيبراني لعام 2030. أما في دول الجنوب، فلا يزال الوعي بهذه المعضلة غائبا في معظمها.
لكن التحدي الأكبر ليس في ابتكار التشفير الجديد، بل في تطبيقه على مليارات الأجهزة والخوادم والبنى التحتية الموجودة حاليا. إنها عملية قد تستغرق أيضا سنوات، بل وربما عقودا..
المستخدم العادي… الضحية الصامتة؟
قد يبدو “كيو-داي” شأناً يخص الدول والتقنيين، لكنه في الواقع يعني البشرية اجمع أكثر مما يظن البعض. كل رسالة أرسلت، كل كلمة مرور خزنت، كل معاملة بنكية أجريت، قد تصبح هدفا سهلا في لحظة.
غالبية البشر لا يعرفون شيئا عن الحوسبة الكمّية، ولا عن “كيو-داي”. ومع ذلك، سيكونون أولى ضحاياه. حسابات بريدية، وثائق شخصية، صور، معلومات صحية، بيانات مالية… كلها معرضة للخطر ما لم تتحرّك الشركات ومزودو الخدمات لتحديث بنيتها الأمنية.
ما يستطيع الفرد فعله الآن محدود، اختيار كلمات مرور قوية، استخدام المصادقة الثنائية، تجنّب الشبكات العامة، ومتابعة التحديثات الأمنية. عدم الاعتماد على التطبيقات غير المؤمنة، والتحديث الدائم للأنظمة والتطبيقات. إنها خطوات بسيطة، لكنها فارقة..
حوسبة كمّية… فوضى أم فرصة؟
بالرغم من كل ما ذكر، لا تخلو الحوسبة الكمّية من أمل. ففي الطب مثلا، تعقد الآمال على محاكاة تفاعلات جزيئية واكتشاف أدوية مستعصية. في المناخ، قد تساعدنا في تحليل النماذج المناخية الضخمة لتوقع الكوارث الطبيعية قبل حدوثها. وفي الاقتصاد، قد تحدث ثورة في تحليل البيانات وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي. إنها سلاح ذو حدّين، والرهان الآن هو في كيفية استخدامه، لأنه كما في كل اختراع بشري جديد، فإن السؤال لا يكمن في “ماذا يمكن أن تفعل هذه التقنية؟”، بل في “من سيمتلكها أولاً؟ ولأي غرض؟”.
ما الذي ينتظرنا؟
مثلما غير الإنترنت طريقة حياتنا، ستغير الحواسيب الكمّية طريقة تأمين معلوماتنا. وكلما عرفنا عنها الان أكثر، سنكون في أمان أكثر في المستقبل.
نحن لا نعيش فقط على أبواب ثورة تكنولوجية، بل في قلب سؤال وجودي رقمي، هل يمكن للعالم أن يعاد بناؤه من جديد في عصر تنكسر فيه قواعد الأمان السابقة؟
يوم “كيو-داي” ليس ضربا من التهويل، بل احتمال تقني يلوح في الأفق. والخيار أمامنا واضح وهو أن نستعد له بجدية، أو أن نستفيق ذات صباح لنجد أن كل ما اعتقدناه محميا، لم يكن إلا وهما برقم سري أصبح هش .

• “كيو-داي” لحظة فارقة تهدّد خصوصيتنا الرقمية وأمننا السيبراني.
• الحوسبة الكمّية لا تزال فتية، لكن السباق لتوظيفها عسكريا واقتصاديا بدأ.
• العالم منقسم بين من يستعد ومن لا يعلم أصلًا بالخطر.
• الأمن الرقمي لم يعد مسؤولية تقنيين فقط، بل شأن يخص كل فرد.
• الغفلة عن “كيو-داي” اليوم تعني دفع الثمن غدا، من دون استئذان.

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها