المصدر: المدن
التحول الاستراتيجي: هل يمكن نقل قيادة أفريكوم إلى المغرب؟
لم تسفر جولات المشاورات المتعددة بين الولايات المتحدة وأفريقيا على مدى السنوات الماضية عن اختيار دولة أفريقية لاستضافة مقر القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) الموجود في شتوتغارت منذ إنشائها في عام 2007، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى قلق العديد من الحكومات بشأن مظهر السيادة والردود الفعل الداخلية. ولهذا السبب أصبح الترتيب “المؤقت” في شتوتغارت ترتيباً دائماً بحكم الواقع.
في شهادات وإحاطات عام 2025، شدد الجيش الأميركي على الموقف والشراكات، لكنه لم يُشِر إلى خطة معتمدة لنقل القيادة. يفصّل بيان الموقف الرسمي للجنرال مايكل لانغلي، أمام لجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب (HASC)، في 10 حزيران/يونيو الماضي، الدور المتنامي للمغرب – خصوصاً مركز حفظ السلام الذي تموله الولايات المتحدة في المغرب والذي سيتم افتتاحه في أيلول/سبتمبر المقبل، لكنه لا يتضمن أي توجيه بنقل المقر.
في 12 حزيرن الماضي، أفادت وسائل إعلام محلية وإقليمية، بأن لانغلي استبعد نقل المقر إلى المغرب لأسباب تتعلق بالميزانية والتكاليف التشغيلية، وفقاً لما ورد في أسئلة وأجوبة لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب. ورغم أن هذه التقارير ليست بيانات رسمية صادرة عن وزارة الدفاع، إلا أنها تتوافق مع عدم وجود أي إشارة إلى نقل المقر في وثائق الموقف.
لماذا تستمر عناوين “مقر المغرب” في الظهور؟
يعود ذلك جزئياً إلى أن مكانة المغرب في مجال الدفاع آخذة في الارتفاع بشكل حقيقي. تجري التدريبات العسكرية الكبرى لـ”أفريكوم” تحت اسم “الأسد الأفريقي” في المغرب؛ ويصف لانغلي الرباط مراراً وتكراراً بأنها “مصدر للأمن”، ومن المقرر افتتاح مركز التميز في حفظ السلام بالقرب من الرباط، الذي تموله الولايات المتحدة جزئياً، في أيلول المقبل. إذا أضفنا إلى ذلك اللقاءات المتكررة بين كبار المسؤولين، يبدو المغرب مركزاً منطقياً لمزيد من الأنشطة العسكرية الأميركية، حتى لو لم يصل الأمر إلى نقل المقر بالكامل.
كما ظهرت مقالات بين تموز الماضي وآب الجاري، تتكهن بشأن القنطرة أو “المغرب في السباق”. تم التعامل مع هذه المقالات على أنها مجرد تكهنات أو تعليقات، وليست سياسة. فيما لا تزال المصادر الأميركية الموثوقة (وثائق وزارة الدفاع/أفريكوم/الكونغرس) غير ملزمة، وأحياناً حذرة بشأن التكاليف.
ما الذي سيكون في صالح المغرب إذا وافقت واشنطن على هذه الخطوة؟
– التوافق السياسي والمكانة. المغرب حليف رئيسي للولايات المتحدة خارج حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وله علاقات دفاعية طويلة الأمد مع واشنطن وعلاقات إقليمية واسعة تقدرها واشنطن. استضافة المغرب لتمرينات “الأسد الأفريقي”، وتدريب آلاف الجنود الأفارقة سنوياً، يمنح الرباط دوراً موثوقاً في جمع شمل الأفارقة.
– الجغرافيا وسهولة الوصول. يقع المغرب على ساحل المحيط الأطلسي وغرب البحر الأبيض المتوسط، بالقرب من أوروبا ولكن على الأراضي الأفريقية، مما يقلل من بعض الصعوبات في السفر/الوقت، مع الحفاظ على سهولة الوصول إلى البنية التحتية للقيادة العسكرية الأميركية في أوروبا (EUCOM) ووسائل النقل عبر المحيط الأطلسي.
– البنية التحتية المادية ومسار النمو. يوفر مركز التميز الجديد لحفظ السلام (الذي سيتم افتتاحه في أيول المقبل) التعليم والمؤتمرات والقدرة على إشراك كبار القادة، وهي عناصر تريدها بالقرب من أي وجود أميركي كبير. إنه ليس مقراً بحد ذاته، ولكنه منصة.
– الاستقرار النسبي. مقارنة بالعديد من دول الساحل أو دول البحر الأحمر، يوفر المغرب أمناً وحكماً يمكن التنبؤ بهما، وهو أمر بالغ الأهمية لمقر يعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ويستضيف أعداداً كبيرة من العسكريين والمدنيين الأميركيين بالإضافة إلى عائلاتهم.
ما الذي قد يعوق هذا الانتقال؟
– التكلفة واللوجستيات. إن نقل مقر من فئة أربع نجوم – مع آلاف الوظائف في مختلف مكونات الخدمة والمقاولين والمعالين والمرافق الآمنة ومرافق “SCIF” والبنية التحتية الإلكترونية والإسكان والمدارس والدعم الطبي – سيكلف مليارات الدولارات على مدى سنوات. وأشارت التعليقات العامة للانغلي إلى أن التكاليف التشغيلية والميزانية تشكل عائقاً رئيسياً. سيتعين على الكونغرس الموافقة على برنامج متعدد السنوات وتخصيص الميزانية اللازمة له، في الوقت الذي تتعامل فيه وزارة الدفاع مع أولويات منطقة المحيطين الهندي والهادئ وإعادة الرسملة العالمية.
– السياسة الأفريقية والانطباعات. تاريخياً، عارضت العديد من الحكومات الأفريقية استضافة مقر “أفيركوم”؛ وتراوحت المخاوف بين السيادة والانطباعات السياسية المتعلقة بالقاعدة إلى المعارضة الداخلية. قد يؤدي وجود مقر في المغرب إلى إحياء تلك النقاشات، خصوصاً بين المنافسين أو الدول التي تحذر من سياسة “الكتل”. يعود نمط التحفظ هذا إلى عام 2007 ولم يختفِ تماماً.
– المفاضلة بين المخاطر التشغيلية. توفر شتوتغارت وصولاً سلساً إلى شبكات “الناتو”، والنقل الجوي، والخدمات الطبية، والتعاقد، والتنسيق بين القيادات، لا سيما مع القيادة الأميركية في أوروبا (EUCOM). وقد يؤدي الابتعاد عن هذه المرافق الأساسية إلى تعقيد العمل اليومي للموظفين ما لم يتم بناء قدرات مماثلة في المغرب، وهو ما يتطلب مرة أخرى الوقت والمال. خلفية ركزت تغطية وسائل الإعلام في “الكابيتول هيل” هذا العام على النقاشات التنظيمية بين القيادة الأميركية في أوروبا (EUCOM) والقيادة الأميركية في أفريقيا (AFRICOM) أكثر من التركيز على نقل المقر، مما يؤكد مدى الترابط بين القيادتين.
– السوابق والاعتماد على المسار. بمجرد إنشاء مقر رئيسي مع عائلات في مدينة أوروبية توفر خيارات التعليم وتوظيف الأزواج، يصبح الجمود قوياً. في غياب ميزة استراتيجية أو تكلفة واضحة، تميل وزارة الدفاع إلى تجنب التغيير الجذري.
السيناريوهات: ما هي الخيارات الواقعية المطروحة؟
السيناريو أ: “المغرب المتصل بالشبكات” (الأكثر احتمالاً على المدى القريب).
توسّع “أفريكوم” في المغرب. توسيع نطاق تدريبات “الأسد الأفريقي”، وعقد المزيد من الندوات ومؤتمرات كبار القادة، وزيادة دورات التدريب قبل الانتشار، وتكرار عناصر الموظفين المرتبطين بمركز حفظ السلام — دون نقل المقر. وينتج عن ذلك وضع هجين: تظل شتوتغارت مركز القيادة العصبي؛ ويصبح المغرب المركز الرئيسي للاجتماعات/التدريب في مسرح العمليات. وقد بدأ هذا السيناريو يتجسد بالفعل في وثائق وأحداث عام 2025.
السيناريو ب: “العنصر المتقدم” (متوسط المدى المحتمل).
تنشئ الولايات المتحدة عنصر قيادة متقدم دائم (ليس المقر الكامل) في المغرب — على غرار خلية تخطيط مشتركة معززة، وبعض وحدات “J-code”، ومركز تنسيق مشترك يقع في نفس موقع مركز حفظ السلام الجديد. سيؤدي ذلك إلى تقصير دورات اتخاذ القرار للبعثات في غرب/شمال/المحيط الأطلسي، مع ترك قائد القيادة العسكرية وموظفيه في شتوتغارت. من الناحية السياسية والمالية، هذا أسهل بكثير من نقل المقر بأكمله. (استخدمت وزارة الدفاع الأميركية نماذج مماثلة للعناصر المتقدمة في أماكن أخرى).
السيناريو ج: النقل الكامل إلى المغرب (احتمال ضعيف حتى عام 2026).
لكي يصبح هذا السيناريو مرجحاً، يلزم ما يلي:
• موافقة الكونغرس وتمويل مرتبط بحجة مقنعة بأن النقل يحسن الاستعداد/التكاليف.
• إطار عمل لقاعدة أميركية-مغربية يغطي البناء والعمالة وحماية القوات والمعالين وأنظمة الضرائب/الجمارك.
• دعم الدولة المضيفة (الأراضي وتقاسم التكاليف) بالإضافة إلى ضمانات بيئية ومكافحة الفساد للمشاريع العسكرية الكبرى.
• خطة ترحيل تحمي الروابط بين القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا (EUCOM) والقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (AFRICOM) (شبكات الاستخبارات والمقاولون والخدمات الطبية والروابط مع حلف شمال الأطلسي).
• في الوقت الحالي، لا تظهر الوثائق المتاحة للجمهور أن هذه الشروط المسبقة قيد التنفيذ.
العوامل التي قد تغير الحسابات:
– صدمة استراتيجية في شمال/غرب أفريقيا — على سبيل المثال، تهديد بحري أو جوي جديد يجعل وجود مقر قيادة في أفريقيا أمراً حاسماً من الناحية العملياتية.
– عرض لتقاسم التكاليف: إذا عرضت الرباط دعماً كبيراً في شكل أراضٍ أو مشاريع عسكرية، ورأت واشنطن أن تكاليف التشغيل والصيانة على المدى الطويل أرخص من أوروبا، فقد تنقلب حجة الميزانية.
– إعادة تصميم التنظيم: إذا أعاد البنتاغون صياغة العلاقات بين القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية (التي نوقشت في جلسات الاستماع عام 2025)، فقد تبرر هيكلية جديدة إعادة ترتيب الأدوار، على الرغم من أن الشهادات حتى الآن وصفت مفاهيم الدمج بأنها ”صعبة“ وليست وشيكة.
دور المغرب المتنامي
حتى بدون نقل المقر، يتوسع دور المغرب داخل “أفريكوم”. يخلق مركز حفظ السلام والنمو (African Lion)، إيقاعاً متكرراً للتعاون بين الولايات المتحدة والمغرب وأفريقيا، مع قنوات تدريب لآلاف الجنود وحوارات بين كبار القادة. هذه طريقة ذكية لتجميع الوظائف “المتصلة بالمقر” (التعليم والندوات ومؤتمرات التخطيط وقدرات الشركاء) في المغرب دون تكلفة وسياسة النقل الكامل.
حتى 14 آب/أغسطس الجاري، لا يوجد قرار رسمي من الولايات المتحدة بنقل مقر القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا إلى المغرب. تؤكد المواد الموثوقة والمسجلة (بيانات المواقف، أخبار وزارة الدفاع، وثائق الكونغرس) على المغرب كشريك رئيسي ومحور، بما في ذلك مركز التميز الجديد لحفظ السلام الذي تموله الولايات المتحدة، في حين أن التقارير الصحفية التي تفيد بأن النقل “قيد الدراسة”، تقابلها تصريحات علنية تشير إلى أن التكاليف التشغيلية والميزانية تشكل عائقاً. الطريق الأكثر واقعية هو تعزيز وجود المغرب – من خلال تدريبات أكبر، وعناصر متقدمة، ومراكز مؤسسية – بدلاً من نقل شامل من شتوتغارت إلى المغرب في المدى القريب. إذا اتفق الكونغرس ووزارة الدفاع والرباط على التمويل وشروط التمركز ومزايا المهمة، فقد يتطور هذا التقييم؛ وفي حالة عدم حدوث ذلك، من المتوقع أن تظل شتوتغارت مقراً للقيادة، بينما يصبح المغرب القلب النابض لـ”أفريكوم” في القارة.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها