فنية
السبت ٦ أيلول ٢٠٢٥ - 16:43

المصدر: المدن

فينيسيا: 23 دقيقة من التصفيق

رقم قياسي يسجل في مهرجان فينيسيا، 23 دقيقة من التصفيق وقوفاً لفيلم “صوت هند رجب” من إخراج التونسية كوثر بن هنية. بحسب تقارير صحافية أخرى استمر التصفيق 22 دقيقة، أو 22 دقيقة و30 ثانية. الاحتفاء بزمن التصفيق في وسائل الإعلام العربية يرجع إلى أنه يتضمن استحقاقاً مزدوجاً. تنال السينما العربية اعترافاً آخر على أرضية الجماليات، فثمة فيلم لمخرجة عربية جدير بانتزاع التكريم الجماهيري الأطول في تاريخ المهرجان، وربما في تاريخ مهرجانات السينما بالعموم. أما الاعتراف الآخر فذو طابع سياسي، العربي الذي لطالما تم تصويره داخل إطار الشر في سينما هوليوود الأوسع انتشاراً، أو ظل بلا صوت أو صورة في غيرها، ينال الاعتراف أخيراً، بوصفه ضحية. ويمنح صوتاً، لكنه للمفارقة صوت طفلة مقتولة، أي صوت تم إخراسه مسبقاً. هل هذا اعتراف بالأساس، أم شعور متأخر بالندم على جريمة اكتملت بالفعل؟ 

يمثل مهرجان فينيسيا السينمائي، مع مهرجانَي “كان” و”برلين” بالإضافة إلى جائزة الأوسكار، الطبقة الأكثر تميزاً من شبكة الاعتراف الغربي في مجال السينما. طقوس ذلك الاعتراف، كما أنها أحد موروثات الهيمنة الغربية ومن أركان إعادة إنتاجها واستمراريتها، فهي تعمل أيضاً على تلطيف توترات السياسي. فالحياد المفترض للجماليات يتيح قبول مفارقات غير قابلة للتصديق، كأن يكرم مهرجان فيلماً فلسطينياً، بينما تساهم الدولة المضيفة له بشكل فعال ومباشر في إبادة الفلسطينيين. في دورة هذا العام من مهرجان “كان”، قد يكون اختيار فيلم “ضع روحك على كفك وأمش” في أحد تظاهراته الموازية، وراء قيام إسرائيل باستهداف مسكن بطلته المصورة الغزية فاطمة حسونة وقتلها هي وعدد من أفراد أسرتها. استقبل هذا الفيلم في “كان” أيضاً بكثير من التصفيق والدموع. لكن في فينيسيا، هند رجب ميتة بالفعل وقبل وقت، لكن ماذا لو كانت ما زالت حية؟ المؤلم هو الاعتراف بإن إسرائيل كان يمكن أن تقتلها كذلك. 

الدروس الأولى في نظريات التراجيديا تذهب إلى أن توحد الجمهور مع أبطال العمل الدرامي في مأساتهم، يقود إلى تطهر من نوع ما، خليط من الخوف والشفقة، له أثر أشبه بالتنفيس. فوصلة التصفيق الطويل قد تكون إشهاراً لعجز مطلق أمام أكبر مذبحة للأطفال في عصرنا، وغسل الأيادي من وزرها بالدموع. ثمة ما يؤكد ذلك في تصريحات كوثر بن هنية بخصوص فيلمها بعد عرضه في ختام المهرجان: “شعرت بضرورة فعل شيء ما، حتى لا أكون متواطئة. ليست لديّ أي سلطة سياسية. لستُ ناشطة. كل ما أملكه هو أداة واحدة أتقنتها قليلاً – السينما. على الأقل، مع هذا الفيلم، لم يكمَّم صوتي”. هنا أيضاً اعتراف بالعجز ومحاولة صادقة للتبرؤ من المذبحة. ضمناً، تسلم بن هنية بأن السينما بلا سلطة وأنها منفصلة عن السياسة. 

هذا أيضاً ما أكدته إدارة المهرجان. فبعدما وقّع المئات من العاملين في حقل السينما، بيانات تطالب بإلغاء دعوة نجوم من داعمي إسرائيل، ومن بينهم الممثلة الإسرائيلية غال غادوت والممثل الإسكتلندي جيرارد باتلر، أعلنت الإدارة إنها لم تُلغ دعوة أحد وإن غاب الممثلان عن الحضور. وفي السياق ذاته، صرح مدير المهرجان ألبرتو باربيرا، إن المهرجان “لا يقاطع الفنانين، ولا يصدر بيانات سياسية”. وبدوره، قال المخرج اليوناني الأميركي ألكسندر باين، رئيس لجنة التحكيم الرئيسية لهذا العام إنه “غير مستعد” للأسئلة المتعلقة بغزة، وذلك خلال مؤتمر صحافي عقد عند انطلاق للمهرجان، وأضاف: “أنا هنا لأتحدث عن السينما وأبدي رأياً فيها”. هكذا تُقتل هند رجب مرتين.