فرنسوا ضاهر

الثلاثاء ١٦ أيلول ٢٠٢٥ - 08:58

المصدر: صوت لبنان

كفى المسيحيين حكماً مركزياً قاضماً للضمانات الحامية لكيانهم

منذ نشأة لبنان الكبير في الاول من أيلول ١٩٢٠ ويتعرّض البلد لأزمات حادة وانقسامات داخلية كانت تنتهي دوماً بتنازلات من المسيحيين، لمصلحة المسلمين على إختلاف طوائفهم على التوالي، عن الضمانات الدستورية والمناصب الوظيفية العليا التي أعطيت لهم لحماية كيانهم ووجودهم وموقعهم السياسي في هذا المشرق العربي.

بدليل أن الدستور اللبناني لسنة ١٩٢٦ قد تمّ تعديله بالميثاق الوطني لسنة ١٩٤٣ الذي تمّ التوافق عليه على خلفية تخلّي المسلمين عن الرغبة بالانتماء الى الوطن القومي العربي الجامع للأمة، مقابل تخلّي المسيحيين عن الحماية الغربية الأوروبية لهم، لا سيما دولتيْ فرنسا والفاتيكان.

كما وإن أحداث سنة ١٩٥٨ التي وقعت هي أيضاً على خلفية تعاطف المسلمين السنّة في لبنان مع التيار الناصري التوحيدي للدول العربية وإبداء رغبتهم بضم لبنان اليه، في مقابل معارضة المسيحيين لهذا التحالف العقائدي، قد استتبعت بدورها تعديلاً في الميثاق الوطني المذكور، بدءاً من عهد الرئيس فؤاد شهاب، لناحية تعزيز دور الطائفة السنية في تكوين السلطة الاجرائية في البلاد.

كما وإن الحرب الأهليه التي عصفت بلبنان في ١٩٧٥/٤/١٣ على خلفية قلب نظام الحكم وتوطين الفلسطينيين المقيمين على أراضيه وترحيل المسيحيين عنه لم تحط أوزارها إلاّ بعدما أجريت تعديلات جوهرية على أحكام الدستور في ١٩٩٠/٩/٢١، لناحية أنها نقلت صلاحيات رئيس الجمهورية الإجرائية الى مجلس الوزراء وأرست المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في تكوين السلطتين الإجرائية والتشريعية. ما فتح الباب على مصراعيه لولوج عهد السنيّة السياسية.

غير أن الوصاية السورية، التي تمدّدت في البلاد عقب إتفاق الطائف في ١٩٨٩/١٠/٢٢ حتى شملت المناطق المسيحية المحرّرة إثر حرب ١٩٩٠/١٠/١٣، لم تتوانَ عن فرض أعراف وممارسات جديدة تمثلت بخسارة المسيحيين لعدد من المناصب الاولى في الدولة لمصلحة الطائفتين السنية والشيعية والعمل على تثبيت عهد الشيعية السياسية من خلال فرض نظام الترويكا الذي قام على إشراك رئيس المجلس النيابي في كل المقررات والتعيينات التي تقوم بها السلطة الاجرائية.

حتى ما إن تمّ إخراج النظام السوري من لبنان في ٢٠٠٥/٤/٣٠، حتى انقضّ حزب الله، الموالي للجمهورية الإسلامية الإيرانية والمدعوم منها، على البلد وبسط سطوته عليه. فقام بترسيخ أعراف وممارسات وهرطقات وتفسيرات غير دستورية، شكّل بعضها بنوداً في إتفاق الدوحة الحاصل بتاريخ ٢٠٠٨/٥/٢١ والبعض الاخر بقي قيد الممارسة الفعلية القسرية.

غير أن الأمور لم تقف عند هذا الحدّ، إذ أن الطائفة الشيعية عامةً تسعى حالياً، تحت وطأة حرب الإسناد التي خاضتها منذ ٢٠٢٣/١٠/٨ وإتفاق ٢٠٢٤/١١/٢٧ الذي نتج عنها، الى إتمام تعديل جذري في نظام الحكم المركزي في لبنان في ضوء السلاح الذي تشهره بوجه اللبنانيين متذرعةً بأن تسليمه الى الدولة اللبنانية لن يتمّ إلاّ بعدما يتمّ إقرار التعديلات التي تقترحها على ذلك النظام.

من هنا، بات يتعين على القادة السياسيين المسيحيين طرح إعادة النظر بالنظام السياسي المركزي الحصري في لبنان برمته والامتناع نهائيا عن التسليم بأي تعديلات او تنازلات إضافية ضمن إطار ذلك النظام.

كما والامتناع عن المطالبة بأي تطبيق لاتفاق الطائف لجهة ما نصّ عليه من لامركزية إدارية موسّعة. ذلك أنه إذا كان مثل هذا الطرح يعالج الاوضاع السياسية الداخلية بين الطوائف في لبنان حين إقراره في سنة ١٩٨٩، غير أنه لم يعد يصلح لتلك المعالجة بعد المرور بعهد السنية السياسية وإنفلاش عهد الشيعية السياسية بعدها.

كما وإنه لا يجوز لهؤلاء القادة المطالبة بالنظام الفدرالي كحل نهائي للصراع المزمن القائم على السلطة بين المسيحيين والمسلمين في لبنان. ذلك أن للفدرالية مقومات لا يمكنهم التوافق حولها. منها، توافر إجماع وطني لاقرار هذا النظام وحدة السياسة الخارجية ونظام الحياد عن الصراعات الاقليمية والدولية وتوحيد السياسية الدفاعية وكيفية التعامل مع دولة إسرائيل وتحديد سبل تمويل الخزينة العامة الاتحادية والسياسة المالية والنقدية عامةً وحجم القطاع العام في السلطة الاتحادية وحدود إستقلالية الكيانات الفدرالية، وغيرها.

بحيث يبقى النظام الاتحادي الكونفدرالي بين دولتين او أكثر، الذي يقوم على أن يتخذ كل تجمع سكاني مناطقي متجانس الموقف الانفصالي الاحادي الذي يرتئيه لنفسه، هو الأقرب الى الحلّ النهائي المانع للتصادم والمراعي للتعددية المجتمعية والثقافية والسياسية، كذلك لخصوصية وتمايز وفرادة الشعوب والطوائف والأديان التي تؤلف هذا الكيان.

في المحصلة، يحظر على المسيحيين إتمام أي تنازلات او تعديلات على نظام الحكم المركزي الحصري القائم في لبنان بعد اليوم، تحت أي ذريعة أو إعتبار او ظرف، بخاصة وأنهم أصبحوا، في ضوء ما سجلّوه على أنفسهم من خسائر وتسويات متعاقبة وتنازلات في الصلاحيات الدستورية والمناصب العليا في الدولة، في وضعية لم تعد تمكّنهم من حماية كيانهم ووجودهم وثقافتهم، وحتى أصولهم.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها