شفيق طاهر

الأحد ٢١ أيلول ٢٠٢٥ - 12:23

المصدر: صوت لبنان

إسّاك حَجّار… حين تتحوّل الأم اللبنانية إلى صانعة أبطال في الفورمولا 1

في عالم الفورمولا 1، حيث يقاس كل شيء بالثواني وأحيانا كثيرة بأجزاء الثانية، يطل اسم جديد في موسم 2025 ليكسر النمط المعتاد ويضيف لمسة غير متوقعة إلى المشهد. إنه الشاب إسّاك أو (إسحاق) حَجّار، الفرنسي المولد والمنشأ، الجزائري الجذور، الذي دخل رسميا عالم النخبة عبر بوابة فريق  Racing Bulls  التابع لريد بُل.

لا يتجاوز عمره العشرين عاما، لكن قصته أكبر من مجرد موهبة رياضية. فهي حكاية عائلة، وحكاية أم تحديدا، جعلت من حلم ابنها مشروعا متكاملا وأدخلت أسم لبنان – من حيث لا يتوقع أحد – إلى حلبة سباقات تعد من الأكثر كلفة وصعوبة على الإطلاق.

 

الأم التي صنعت الحلم

منذ سنوات الطفولة الأولى، حين كان إسّاك يتنافس في سباقات الكارتينغ، برزت العقبة الأكبر التي تواجه كل سائق ناشئ: المال. الرياضة الميكانيكية مكلفة جدا، وغالبا ما تقصي الموهوبين الذين لا يجدون سندا ماليا. لكن هنا دخلت على الخط شخصية فريدة ستغير مجرى القصة، انها والدته رندة حَجّار.

رندة، اللبنانية الأصل، ولدت بين ثقافتين لبنانيتين وجزائرية لاحقا بالزواج، ولم تكن مجرد أم تتابع السباقات من المدرجات. بل قررت أن تدير المسيرة كما لو أنها شركة قائمة بذاتها. بخبرتها كمديرة للموارد البشرية، بدأت تطرق أبواب الرعاة، تنسق العقود، ترتب الجداول اللوجستية، وتؤمن الموارد التي تسمح لابنها بالصعود درجة بعد أخرى.

تحولت بسرعة من “الأم المرافقة” إلى “المديرة الصارمة”. حتى أن إسّاك نفسه وصفها في إحدى المقابلات قائلا بابتسامة جادة: “هي رئيستي”. عبارة تلخص حقيقة مزدوجة، فهي في الوقت نفسه القلب القلق على سلامته، والعقل الذي يحسب الأرقام والمستقبل بدقة.

 

الجذور التي لا تختفي

الصحافة الفرنسية تتعامل مع إسّاك كموهبة فرنسية صاعدة، لكن قصته تتجاوز الحدود. فوالده ياسين حَجّار، الجزائري الأصل، عالم في الفيزياء يعيش بعيدا عن الأضواء، فيما والدته رندة تحمل في قلبها وعقلها لبنان الذي لم يغادرها.

هذا المزيج جعل من حجار قصة ثلاثية الهوية:

في الجزائر، يحتفى به كابن للجالية الذي بلغ قمة الرياضة العالمية.

في لبنان، سوف ينظر إلى نجاحه كنافذة أمل، ورمز نادر لحضور لبناني في ساحة لم يعرفها البلد من قبل.

وفي فرنسا، يقدم كابن بار للنظام الرياضي الذي صقل موهبته.

بالنسبة إلى رندة، لم تكن الهوية تفصيلا ثانويا. فهي حملت بلدها في حضورها الدائم إلى الحلبات، وقدّمت نموذجا مختلفا عن صورة المرأة اللبنانية النمطية. ليست مجرد أم أو موظفة، بل امرأة تحولت إلى مديرة أعمال وصانعة بطل عالمي.

 

الأب الصامت والابنة المشجعة

في مقابل الحضور الصاخب للأم، يظهر دور الأب ياسين أكثر هدوء. دعمه كان معنويا وعلميا، يقدم لابنه نظرة متزنة بعيدا عن الضغوط اليومية. أما شقيقته أنياس، فقد رافقت المسيرة بتشجيع متواصل، لتكتمل صورة عائلة تقسم الأدوار، الأم تخطط وتدير، الأب يساند في الظل، والابنة تزرع الحماس.

هذه التوليفة العائلية أعطت إسّاك التوازن المطلوب في رياضة تتطلب تركيزا ذهنيا هائلا.

 

محطات مفصلية

خلف كل سباق خاضه الشاب العشريني، تقف قرارات مصيرية اتخذتها الأم المديرة:

• من الكارتينغ إلى الفورمولا 4:  كانت خطوة باهظة الثمن، لولا إدارتها الحازمة لما تحققت.

• الصعود إلى الفورمولا 3 ثم الفورمولا 2 : حيث لعبت دور المفاوض، وأمنت شراكات مع فرق ورعاة.

• الوصول إلى الفورمولا 1:  خلاصة سنوات من العمل الدؤوب، جلست خلالها رندة خلف الكواليس كمهندسة للمصير.

بهذا المعنى، لم يكن وصوله إلى الفورمولا 1 مجرد حظ أو موهبة طبيعية، بل ثمرة تنظيم عائلي دقيق.

 

بين القلق الأمومي والصرامة الإدارية

رياضة الفورمولا 1 لا ترحم. المخاطر عالية، والحوادث ليست نادرة. هنا يتجلى التناقض الذي تعيشه رندة يوميا، الأم التي تخاف على حياة ابنها، والمديرة التي يجب أن تحسم القرارات بلا عاطفة.

لكنها نجحت في تحويل هذا القلق إلى خطة عمل. وجودها الدائم في السباقات لم يكن حضورا عاطفيا فحسب، بل أيضا متابعة لوجستية ونفسية. استطاعت أن تمزج بين الحنان والصرامة، بين العاطفة والعقلانية.

 

حضور لبناني في حلبة عالمية

في الإعلام الفرنسي، يقدم اسم رندة كرمز لحضور لبناني نادر في رياضة الفورمولا 1. أما في بيروت، سوف تُقرأ قصتها بوصفها رسالة، وسط كل هذا الانهيارات الاقتصادية والسياسية، رسالة انه ما زال لدى للبنانيين في الداخل والاغتراب القدرة على ترك بصمة في العالم.

إنها صورة مغايرة عن المرأة اللبنانية، امرأة ليست ضحية الأزمات ولا رهينة الهجرة، بل شخصية فاعلة تصنع طريقًا لعائلتها في أصعب الساحات.

 

ما وراء الحلبة

حين يقف إسّاك على خط الانطلاق، يراه الجمهور كسائق شاب يقاتل لأجل الفوز. لكن خلفه، هناك فريق صغير من أربعة أشخاص، أمّ، أب، شقيقة، وهو نفسه. هذه الدائرة العائلية الضيقة هي سر نجاحه.

ربما قد لا يفوز بسباقات كثيرة، وربما سيواجه تحديات في مواجهة أبطال كبار. لكن وجود رندة في الخلفية يضمن أن القصة لن تكون مجرد أرقام على لوحة النتائج، بل حكاية إنسانية عن العائلة والإصرار.

 

إسّاك حَجّار اليوم ليس مجرد اسم جديد في الفورمولا 1. إنه تجسيد لحكاية نادرة، حكاية عائلة فرنسية ذات أبٌ من أصول جزائرية هادئ، أم من أصول لبنانية صارمة وحاضرة، ابنة داعمة، وشاب يافع يقود بسرعة جنونية نحو المستقبل.

في كل سباق، لا يركض إسّاك خلف المجد وحده، بل يحمل معه جزء من لبنان والجزائر وفرنسا في مزيج غير مألوف. أما والدته رندة، فهي ستبقى الوجه الآخر للحكاية، الأم التي تحولت إلى مديرة، والمديرة التي لم تتخل يوما عن قلبها كام.

هكذا، تتحول القصة من إنجاز رياضي إلى بورتريه إنساني يضع العرب رمزيا على الأقل على خط الانطلاق في واحدة من أصعب رياضات العالم وأكثرها بريقا.

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها