محمد موسى

الأثنين ١٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥ - 11:10

المصدر: صوت لبنان

العالم يتحضر لازمات الفقاعات القادمة … شدوا الاحزمة

حذّر رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، بورغه برينده، من احتمالات خطيرة قد تزعزع استقرار الاقتصاد العالمي، نتيجة ما وصفه بتشكل ثلاث فقاعات كبرى في مجالات العملات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والديون العامة والخاصة. جاء هذا التحذير في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية اضطرابات متزايدة، وتراجعًا واضحًا في أسهم الشركات التكنولوجية بعد موجة طويلة من الارتفاعات التي بدت غير واقعية في نظر كثير من المحللين.

يرى برينده أنّ خلف هذه المخاوف عوامل مترابطة تتجسد في الإفراط بالاقتراض الحكومي، والمبالغة في تقدير العوائد المستقبلية للتكنولوجيا، والانجراف وراء المضاربات السريعة في الأسواق المالية. فمستويات الدين العام بلغت حدودًا غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، ما يجعل العديد من الحكومات في وضع حرج، إذ تواصل الاقتراض لتغطية العجز والالتزامات الاجتماعية دون رؤية اقتصادية بعيدة المدى. ومع أي تباطؤ في النمو أو ارتفاع في أسعار الفائدة، يمكن أن تتشكل أزمة ديون جديدة تمتد آثارها إلى النظام المالي العالمي بأسره.

أما في ميدان الذكاء الاصطناعي، فقد أشار برينده إلى أنّ الاندفاع نحو الاستثمار في هذا القطاع يتم بوتيرة تفوق قدرته على تحقيق عوائد حقيقية، إذ تُضخ المليارات في مشاريع غير مجرّبة، بينما تتزايد التوقعات المفرطة بحدوث تحوّل اقتصادي شامل. هذا الواقع يذكّر بالفقاعة التكنولوجية التي شهدها العالم مطلع الألفية، حين أدّى الحماس المفرط إلى انهيارات واسعة في أسواق الأسهم. إنّ المبالغة في تقييم الشركات القائمة على الذكاء الاصطناعي تُنذر بحدوث هزّة مماثلة، خصوصًا إذا لم تتحقق النتائج الموعودة خلال السنوات المقبلة.

ولا يقتصر القلق على الجوانب المالية، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي. فالتوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي يهدد بفقدان أعداد كبيرة من الوظائف، لا سيّما في المهن الإدارية والمكتبية التي تعتمد على المعالجة الروتينية للبيانات. وقد بدأت بوادر ذلك تظهر من خلال موجات تسريح جماعية في شركات كبرى حول العالم، ما يعمّق الفجوة بين من يمتلك المهارات التقنية ومن يفتقدها، ويزيد من التفاوت الاجتماعي داخل المجتمعات الحديثة. وهنا تبرز الحاجة إلى سياسات وطنية تُعيد تأهيل القوى العاملة وتُعدّها لمتطلبات الاقتصاد الرقمي الجديد، كي لا يتحوّل التقدّم التكنولوجي إلى مصدر بطالة وعدم استقرار.

وفي مقابل هذه التحديات، يذكّر برينده بأنّ التحولات التكنولوجية عبر التاريخ كانت دائمًا مدخلًا إلى زيادة الإنتاجية ورفع مستويات المعيشة، شرط أن ترافقها سياسات رشيدة تضمن توزيعًا عادلًا لثمار التطور. فالتكنولوجيا ليست خطرًا بحدّ ذاتها بل أداة بيد الإنسان يمكن توجيهها نحو التنمية المستدامة إذا أحسن إدارتها. لذا تقع على عاتق الحكومات مسؤولية الموازنة بين دعم الابتكار والحفاظ على استقرار أسواق العمل، من خلال إصلاح الأنظمة التعليمية، وتحفيز الاستثمارات المنتجة، وضبط الأسواق المالية بما يمنع نشوء فقاعات جديدة. إنّ استمرار التضخم العالمي وارتفاع أسعار الفائدة يزيدان من احتمالات انفجار هذه الفقاعات، إذ تقلّ السيولة ويتراجع الإقبال على المخاطرة، فتبدأ الأسعار المبالغ فيها بالهبوط الحاد، لتتحول الأرباح الورقية إلى خسائر فعلية. لذلك تبرز أهمية التعاون بين المؤسسات المالية الدولية والبنوك المركزية لمراقبة هذه الظواهر واحتوائها مبكرًا قبل أن تتسع آثارها لتطال الاقتصادات كافة.

إنّ التحذير الذي أطلقه رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي لا يُعدّ نبوءة تشاؤمية بقدر ما هو دعوة للتعقّل وإعادة النظر في المسار الاقتصادي الراهن. فما زال العالم يملك الوقت لتدارك الأزمات قبل وقوعها، عبر اعتماد سياسات مالية متوازنة، وضوابط رقابية فعالة، واستراتيجيات تعليمية وتكنولوجية تضمن أن يبقى التقدّم في خدمة الإنسان لا على حسابه. فالتاريخ يعلّمنا أنّ الفقاعات لا تنفجر فجأة من فراغ، بل تتكوّن بصمت حين يختلط الطموح المشروع بالجشع المفرط، وتغيب الرؤية الطويلة عن صناع القرار. ومن هنا تبدأ مسؤولية الإصلاح قبل أن يفرض الواقع كلفته القاسية على الجميع. وعليه نحذر مبكرا” العالم نحو أزمات اقتصادية ومالية قادمة ولم يبقى الا ان نشد الاحزمة!!!!!!!

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها