المصدر: صوت لبنان
مفهوم “طوبى لفاعلي السلام”
جاءت زيارة الحبر الأعظم قداسة البابا ليوون الرابع عشر
الى لبنان، الذي يعاني من أزمات بنيوية ومعضلات كبرى ومنازعات سلطوية وإنقسامات عمودية وانشقاقات وتصدعات في ميثاق العيش المشترك بين أبنائه وإنحرافات في الولاءات الخارجية، تحت شعار “طوبى لفاعلي السلام”.
حتى بات يقتضي التوقف بإمعان حول إطار هذا المصطلح او العنوان او الرمز او الهدف او الرسالة التي تكتنزها زيارته.
إذ حيّا المؤتمن على الكرسي الرسولي فاعلي السلام ونسب إليهم الطوباوية، أي وضعية الالتحام بالله ولُقياه، إن تمكنوا من تحقيق السلام، بمفهوم الهناء والسعادة والعدالة والرفاهية والطمأنينة والفرح والرجاء لجميع أفراد مجتمعهم. فيكون بذلك قد حمّلهم مهمة تحقيقه لبلدهم.
وحتى يتحقق هذا السلام بات يقع عليهم بالتتابع توفير عناصره ومقوماته وركائزه، التي من بينها :
التخلي عن الولاءات الخارجية والتموضع ضمن الولاء الحصري للوطن، وتسليم السلاح الاميري الاجنبي الى السلطة الوطنية الشرعية، ووقف المطالبات السياسية التي تضرب التوازنات القائم عليها نظام الحكم المركزي، وتوحيد الثقافة المجتمعية من أجل التقارب بين أبناء الأمة الواحدة وتعزيز المواءمة في ما بين مكوّناتها، والكف عن الطروحات والمغامرات والسرديات التي تنال من ميثاق العيش المشترك، والعودة الى القيم السماوية التي تجمع ما بين الأديان والاقلاع عن التطاحن السلطوي الذي يشوّهها، والتسليم بوقف منازعة المسيحيين الضمانات التي ذُخِّروا بها عند نشأة لبنان الكبير حماية لوجودهم وكيانهم في هذه المنطقة العربية والكف عن انتزاع ما تبقى لهم منها بعد مرور قرن ونيف على تقليصها تدريجاً من قبل شركائهم.
حتى يمكن الاستخلاص في المحصلة بأن فريقاً من اللبنانيين دون سواه هو الذي يقع عليه وحده عبء ومسؤولية صناعة السلام في لبنان، لان عناصر ومقومات تكوينه وتحقّقه هي مرتبطة به ومتأتية منه ومن أفعاله وطموحاته وثقافته وولاءاته ومشاريعه الخارجية، وذلك حتى يرتقي الى مرتبة فاعليه بالمفهوم الرسولي. فتكون بذلك دعوة الحبر الاعظم ورسالته موجهةً اليه.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها