play icon pause icon
منى فياض

منى فياض

الأثنين ١٥ كانون الأول ٢٠٢٥ - 07:43

المصدر: صوت لبنان

بشار الأسد: احتقار الذات كمنهج حكم

لا يُفهم بشار الأسد من داخل السياسة فحسب، بل من داخل “الأجهزة النفسية” التي تحكم السلطة ويُعاد إنتاجها عبر الأجيال. فالقيادة، خصوصاً في الأنظمة السلطوية، ليست وظيفة تقنية ولا هي مجرد امتداد لسلالة عائلية، بل بناء نفسي- اجتماعي تتداخل فيه تجارب الطفولة، تمثّلات الذات، رمزية الأب، ولغة القوة والعنف في المجتمع.
ومن منظور علم نفس القيادة، يُعدّ الأسد نموذجاً واضحاً لقائد بالصدفة يفتقد السمات الأولية للقيادة، فيلجأ إلى التعويض السلطوي لإخفاء هشاشته الداخلية. ومن منظور الأنتروبولوجيا السياسية، هو ابن نظام صنعته البنية المخابراتية لحافظ الأسد، فاكتسب السلطة كـ”طقس عبور” لا كنتاج صراع سياسي أو نضوج قيادي.
أما علم النفس السياسي فيكشف أن بنية النظام هي أيضاً انعكاس لبنية شخصيته: خائفة، مشتتة، تتظاهر بالقوة عبر العنف، وتعتمد على الخارج لتعويض ضعف الداخل.
الفيديوهات المسرّبة مؤخراً – ضحكاته على معاناة الغوطة، سخريته من ضابط يُقبّل يده، احتقاره الشعب، وتهكّمه من رموز الدولة – ليست مجرد “مشاهد”. إنها نوافذ على جهاز نفسي يجرّ نفسه بالقوة إلى موقع قيادي لا يشعر أبداً أنه يستحقه.

ليس جديداً القول إن النظام السوري بُني على الخوف، لكن المستجد في الفيديوهات المسرّبة التي ظهر فيها بشار الأسد مع لونا الشبل أنّها تكشف طبقة أعمق بكثير من طبيعة السلطة: طبقة احتقار الذات الذي يتحوّل، في الأنظمة السلطوية، إلى احتقار شامل للناس وللدولة وللمؤسسات ولتجسيد الوطن نفسه.
من يشاهد هذه المقاطع يرى رجلاً لا يضحك من موقع القوة، بل من موقع الفراغ الداخلي. ضحكته على الضابط الذي قبّل يده ليست ضحكة المتعالي الواثق، بل ضحكة من يندهش – وربما ينفر – من مشهد ولاء لا يشعر أنه يستحقّه. وحين يتحدث عن رغبته في “تدمير الغوطة”، فإن اللغة لا تشبه خطاب القائد الذي يبرّر حرباً، بل خطاب شخص فقد الإحساس بأي قيمة مشتركة تربطه بالناس أو بالأرض.
هذه ليست انفعالات عابرة. إنها انعكاس مباشر لخلفية رجل لم يُهيّأ ليصبح رئيساً. وُلد في ظل أبٍ جبّار، قضى شبابه طبيباً بعيداً عن العمل السياسي، ولم ينتقل إلى الوراثة إلا بعد وفاة الأخ الأكبر. طوال العقدين اللذين حكم فيهما، ظل هذا الشعور باللا-استحقاق يتجلى في سلوكه: علاقته المهزوزة بمؤسسات الدولة، انكفاؤه على دائرة ضيقة من المستشارين، حاجته المستمرة إلى رعاة خارجيين – إيران، حزب الله، ثم روسيا- لتثبيت سلطته، ما جعله يتحرك ضمن قناعة داخلية بأنه غير قادر وحده على حماية النظام.

لكنّ الأكثر خطورة أن هذا الشعور نفسه يتحوّل لدى القادة السلطويين إلى احتقار للذات مُعاد توجيهه نحو المجتمع. من يعتقد في داخله أنه لا يستحق هذا الموقع، يصبح مستعداً لمعاقبة الآخرين لإيصاله إليه. فتُختزل الدولة في شخصه، وتُختزل الوطنية بطاعته، وتصبح البلاد مجرّد خشبة مسرح يُعيد عبرها إنتاج سلطته الهشّة.
الفيديوهات المسرّبة لا تقول فقط إن الأسد كان يضحك على ضبّاطه أو يستخفّ بمعاناة السوريين. إنّها تقول شيئاً أكثر خطورة: إنها تكشف عمق الانفصال النفسي بين الحاكم والبلد الذي يحكمه، وتجعل السنوات الماضية مفهومة أكثر. فكيف يمكن لمن يحتقر نفسه ويخجل من موقعه أن يحترم شعبه؟ وكيف يمكن لمن يشعر أنه “طارئ” على السلطة أن يتعامل معها كمسؤولية وليس كآلية دفاع وجودي؟
ما يظهر في هذه المقاطع ليس وجهاً جديداً للأسد، بل هو الوجه الحقيقي نفسه، بعدما سقطت عنه الأقنعة الرسمية. وجهٌ يفسّر لماذا دُمّرت المدن، ولماذا امتلأت السجون، ولماذا أصبحت سوريا ساحة لكل النفوذ الخارجي. لقد بدا لسنوات أن النظام يستخدم إيران وحزب الله وروسيا، لكن بمرور الوقت تبيّن العكس: هو الذي كان بحاجة إليهم لحماية سلطة لا يشعر أنها سلطته أصلاً.
النتيجة أنّ سوريا تحوّلت إلى نظام قائم على احتقار مزدوج. احتقار السلطة لنفسها، واحتقارها لمواطنيها. وهذه ليست مقاربة أخلاقية فقط، بل مفتاحٌ لفهم الذهنية التي حكم فيها: كل شيء يُدمَّر لأن كل شيء، في نظر الحاكم، قابل للهدم.
لا معنى يُحمى، ولا قيمة تُصان، ولا شعب يستحق أن تُبنى معه علاقة ثقة.
لهذا تُعدّ هذه الفيديوهات حدثاً سياسياً، لا إعلامياً فحسب. إنها تمنح السوريين والعالم نافذة نادرة إلى البنية النفسية للنظام: نظامٌ لا يثق بنفسه ولا بشعبه، ولذلك لا يتورع عن سحق الاثنين. وبهذا المعنى، يمكن القول إنّ احتقار الذات لم يكن مشكلة شخصية لدى بشار الأسد فقط، بل أصبح أساساً لمنهج حكم كامل، ودليلاً على هشاشة أصلية صادمة في قلب سلطة دمّرت بلداً بأكمله لتُخفي خوفها العميق من نفسها.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها