المصدر: صوت لبنان
الصين – روسيا: الممرات الاستراتيجية في خدمتنا؟!
تغدو الاستراتيجية للنقل ودعم التجارة الصينية أداة في تحولات في ميزان القوة العالمي فالحرب الناعمة والمكشوفة التي تخوضها الولايات المتحدة بوجه الصين أصبحت سمة للمرحلة المقبلة تحت معادلة لا صدام حربي ولكن باقي الأبواب مفتوحة للصراع وإلا كيف نقرأ استراتيجية الامن القومي الأميركي الجديدة تجاه الصين وإضمارا” مع الأوروبيين؟!!!! لذا يبدو التنين الصيني يستشرف ما هو قادم على خطوطه التجارية الى تقويضها والى تفكيك مبادرة الحزام والطريق بشتى الطرق المسموحة والغير مسموحة ومن فوق الزنار ومن تحته ومن فوق الطاولة ومن تحتها بالسياسة والاضطرابات او تغير أنظمة ورسم استراتيجيات لكل الدول المتعاونة مع الصين بعيدا” من ضرب الصين بالمباشر.
ما يجري اليوم في مجال النقل البحري الصيني ليس تطوراً تقنياً معزولاً، بل هو تعبير مكثّف عن تحوّل استراتيجي أعمق في مقاربة الصين للتجارة العالمية ولمعادلات القوة الاقتصادية. وذلك عبر فتح المسار عبر المحيط المتجمد الشمالي، والنجاح في تشغيله بزمن قياسي نسبياً، يندرجان ضمن إعادة رسم شاملة لخرائط الربط بين الشرق والغرب، في لحظة دولية تتسم بالاضطراب وفقدان اليقين.
فمنذ أكثر من عقد، تعمل بكين على تفكيك اعتمادها شبه المطلق على الممرات التقليدية، من مضيق ملقا إلى قناة السويس. مبادرة «الحزام والطريق» لم تكن مشروع بنى تحتية فقط، بل رؤية لتأمين سلاسل الإمداد الصينية ضد الابتزاز الجيوسياسي، وتخفيف مخاطر الاختناق، وتقليص الزمن والكلفة، وبالتالي تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الصينية. المسار القطبي الشمالي يضيف طبقة جديدة إلى هذه الرؤية: طريق أقصر، أقل تعرضاً للصراعات في الشرق الأوسط، وأبعد نسبياً عن الهيمنة البحرية الأميركية المباشرة، فالأهمية الاستراتيجية لما يجري تكمن في أن النقل لم يعد مجرد وسيلة لخدمة التجارة، بل أصبح أداة قوة بحد ذاته. تقليص زمن الشحن بين الصين وأوروبا إلى نحو 20 يوماً يغيّر معادلات التسعير، إدارة المخزون، واستقرار سلاسل الإمداد. في عالم يعاني من التضخم، ومن هشاشة لوجستية متكررة، فإن من يسيطر على الزمن يسيطر على السوق. هنا تحديداً تكسب الصين نقطة متقدمة، لأنها لا تقدم فقط بضائع أرخص، بل بضائع أسرع وصولاً، وأكثر انتظاماً.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الدور الروسي عما يحدث. روسيا هي بوابة القطب الشمالي، وهي الدولة الأكثر تحكماً في بنيته التحتية ومياهه. التعاون الصيني–الروسي في هذا المجال يبدو تكاملياً: موسكو تملك الجغرافيا والخبرة القطبية، وبكين تملك رأس المال، الأساطيل، وحجم التجارة القادر على تحويل الطريق من مشروع موسمي إلى ممر شبه دائم. في ظل العقوبات الغربية على روسيا، يشكّل هذا المسار متنفساً اقتصادياً لموسكو، ويعزز اندماجها شرقاً، بعيداً عن أوروبا التي كانت شريكها التجاري الأبرز، أما الولايات المتحدة، فهي تقف في موقع القلق المراقب. واشنطن تدرك أن السيطرة على البحار والممرات التجارية كانت تاريخياً إحدى ركائز هيمنتها العالمية. أي مسار جديد يلتف على نقاط الخنق التقليدية يعني تراجعاً نسبياً في أدوات الضغط الأميركية. صحيح أن الولايات المتحدة لا تزال القوة البحرية الأولى، لكن تعدد الطرق يحدّ من قدرتها على توظيف هذه القوة سياسياً واقتصادياً كما في السابق وربما هذا المستهدف بما تقوم به الصين وروسيا معا”.
إن السؤال الكبير اليوم مع كثرة التحولات وسرعتها: هل نحن أمام مشاهد جديدة تنعكس على التوازنات السياسية والاقتصادية والتجارية؟ الجواب نعم، ولكن بشكل تراكمي لا فجائي. فالقراءة المتأنية تقول: لن يلغي المسار القطبي قناة السويس ولا الطرق التقليدية، لكنه سيكسر احتكارها، ويحوّلها من شرايين وحيدة إلى خيارات ضمن شبكة أوسع مع كل ما تحمل العبارة من دلالات.
في المحصلة، ما تقوم به الصين اليوم هو استثمار في المستقبل، في عالم تتراجع فيه العولمة بالشكل الذي عرفناه، وتعود فيه الجغرافيا لتكون عاملاً حاسماً و على طريقة المثل اللبناني: من سبق شم الحبق.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها