play icon pause icon
منى فياض

منى فياض

الأثنين ٢٢ كانون الأول ٢٠٢٥ - 08:16

المصدر: صوت لبنان

الاعتراف والتراكم، في مرآة الذهنية الثقافية العربية

ذهبتُ إلى ندوة دون معرفة موضوعها. كنتُ أريد فقط أن أُلقي التحية على زميل قديم عملتُ معه على تقرير أممي قبل سنوات. لم يكلّف رئيس النادي الثقافي العربي نفسه عناء إرسال دعوة لي مع أنني، نظرياً على الأقل، عضوة في هذا النادي منذ زمن.
دخلت القاعة، ففوجئت بعنوان الندوة:: “معنى أن تكون لبنانياً “. وهذا العنوان المعروف، هو عنوان كتابي الصادر عام 2008، وحصد يومها أعلى المبيعات في معرض بيروت الدولي للكتاب، وأخذ مكانه في مشهد ثقافي كان يتشكل وسط انقسام وقلق ورغبة في الفهم. تنفست بعمق. هل من الممكن أن يختاروا العنوان نفسه دون أن يخطر لهم أن يعلموني او يدعوني مع انهم من المفروض أصدقاء مقربون؟
حينها فهمت التعليق الذي استقبلتني به رئيسة النادي السابقة، السيدة بعاصيري: حين بادرتني “لكنك أنت اول من كتب ” معنى ان تكون لبنانياً”!!
قدم رئيس النادي الندوة بجملة:”الثقافة هي الحياة”. قالها ثم تركها معلّقة في الهواء، كطائر من دون جناحين. لم يشرح ماذا تعني “الحياة” ولا كيف تتسع الثقافة لكل ما حولنا من لباس وطعام وطريقة كلام على ما يشير مالينوفسكي او ادوارد هال او شوماشر. اكتفى بالعموميات. متجاهلاً طوال الوقت وجود كتاب بهذا العنوان مع ان وجودي يذكره به!! ولقد اصبح الكتاب عنواناً لما تلاه من كتب ومقالات تتبع منهجه، على امتداد العالم العربي على غرار مقالي معنى ان تكون شيعيا: فصدر معنى أن تكون فلسطينيا، معنى ان تكون جزائريا او مصرياً او عربياً، وغير ذلك.
تحدّث الثلاثة الذين يعرفوني تمام المعرفة، كما لو واحدهم ابتكر السؤال واكتشف المعنى وضرورته لأول مرة.
كان يمكنهم أن يختلفوا معي، أن ينتقدوا أفكاري، أن يقولوا إن الكتاب أغفل كذا وأخطأ بكذا. كان يمكنهم أن يفعلوا ما يفعله المفكرون الحقيقيون حين يتعاملون مع تاريخ المعرفة: يعيدون البناء على ما سبق. لكنهم اختاروا الطريق الأسهل: المحو.
جلست أستمع، ومن حولي يتهامسون “كيف يتجاهلون كتابك؟”!! واقترحوا ان أردّ.
حين انتهى وبدأت المداخلات، طلبتُ الكلام. شكرتهم أولاً- ففي النهاية، الفكرة أهم من أصحابها- ثم أشرت إلى صمتهم وتجاهلهم للكتاب. قلت: “هذا عنوان كتابي الذي صدر قبل سبعة عشر عاماً واخترتم تجاهله. لكن السؤال لماذا؟
قلت أنني لا أتكلم فقط عن كتاب، بل عن مشكلة ثقافية بنيوية؛ فما فعلوه يعبّر عن معضلتين كبيرتين في العالم العربي:
أولاً، معضلة الاعتراف بالآخر وإنجازاته.
ثانياً، غياب التراكم المعرفي، تلك السمة التي تجعل كل واحد منّا يعتقد أن ما يفعله هو البداية، وأن ما قبله لا يستحق التفاتة.
فالتراكم المعرفي هو القدرة على أن يبني الإنسان معرفته الجديدة فوق معرفته السابقة، بطريقة تجعل كل تجربة، وكل قراءة، وكل نقاش، إضافة صغيرة لكنها متصلة بما قبلها. فالمعرفة لا تصبح نافعة إلا عندما تتراكم وتنتظم كطبقات، لا كجزر منفصلة.
من ناحية اخرى يعبّر هذا عن موقوف ذكوري ايضاً؟ هل كانوا سيتصرفون بنفس الطريقة لو ان المؤلف كان رجلاً قابعا امامهم؟
المهم، ساد الصمت طويلاً، صمت كثيف، مثل غبار قديم لا يتحرك. الوزير السابق رشيد درباس اعتذر بلطف عن “السهو”. أما زميلي الذي جئت لأحيّيه، فظلّ ثابتاً في مكانه، يتابع عرض نضالاته وفتوحاته وكأن شيئاً لم يُقل. ولم يبدر من رئيس الجلسة (المعتاد على تجاهل من سبقه) او رئيس النادي (رفيق النضال ايام الجامعة) اي ردة فعل.
السؤال: لماذا يفزع العقل العربي من الاعترافُ بالأخر؟ لماذا نخشى أن نقول إن ثمة من سبقنا إلى الفكرة؟ لماذا نُصرّ على تمزيق الذاكرة بدل صيانتها؟ ولِمَ تختفي أسماء النساء أولاً عندما يفتح الرجال دفاتر الفخر؟
تلك الندوة كانت مرآة. لم تعكس وجههم فقط، بل وجه ثقافة كاملة تعيش في صراع مع نفسها:
ثقافة تخاف من الماضي لأنها لا تعرف كيف تبني عليه،
وتخاف من الآخر لأنه يذكّرها بأنها ليست وحدها،
وتخاف من الاعتراف لأنه يطلب منها أن تكون صادقة.
ربما هذا، في النهاية، أعمق معنى لكوننا لبنانيين: أننا نواصل العيش فوق شقوق الذاكرة، ونبني حاضراً هشاً لأننا لم نتعلم كيف نحترم ما تراكم قبلنا.
لكن الوعي يبدأ من كلمة. والكلمة قيلت، ليس بدافع نرجسي، فقد عرفت بتلك الندوة صدفة، لكن بالمعنى الذي ترمز اليه هذه الحادثة، التي تتكرر كثيراً.

ان الصمت، مهما طال، لا يملك أن يمحو حقيقة نطقتها امرأة، تعرف أن الاعتراف ليس منّة… بل شرط لبناء مستقبل يستحق أن يُكتب.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها