شفيق طاهر

الثلاثاء ٢٣ كانون الأول ٢٠٢٥ - 15:48

المصدر: المدن

شاهد-136‏‎ ‎وأخواتها

في ربيع عام 2022، ظهر ظل مائل الشكل على صور الأقمار الصناعية فوق قاعدة جوية متواضعة في ‏ شرق إيران. كان الطائر صغيراً لكن ملامحه توحي بانه أبعد من مجرد ‏طائر غامض. كان مهندسو شركة “شهيد همت للدفاع” قد أنهوا النموذج الأولي لسلاح يدعى ‏‏”شاهد-136″، وهو اسم طائرة انتحارية أصبح يتردد عبر ساحات القتال بعيداً عن موطنه الأصلي.

كانت “شاهد-136‏‎” في جوهرها سلاحاً منخفض التكلفة وقابلاً للتلف. صُنع هيكلها من ألياف الزجاج في مصنع خارج مشهد، وكان محركها دواراً بسيطاً مأخوذاً من طائرات مدنية قديمة، واعتمد ‏نظام التوجيه على وحدة ملاحة داخلية بسيطة مع جهاز ‏”GPS‏”، ورأس حربي بوزن 40 كغ، يكفي ‏لتدمير مركبة خفيفة أو إلحاق ضرر بشريط مدرج. ما افتقرت إليه هذه الطائرة من التعقيد، عوضتها ‏بالأعداد والقدرة على الإنتاج الضخم.

 

من الفكرة إلى الإنتاج

عند عرض فريق التصميم الطائرة على المسؤولين في وزارة الدفاع الايرانية، كان الرد مختلطاً. رأى ‏بعض الضباط في الطائرة لعبة أطفال لا يمكنها الصمود أمام أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، بينما رأى ‏آخرون فرصة، سلاح يُنتج بأعداد كبيرة، يُشحن بسرية، ويمكن استخدامه لإغراق رادارات العدو ‏وصواريخه. انتصر الرأي الأخير، ودخلت طائرة “شاهد-136‏‎” خط الإنتاج السريع.

في غضون أشهر قليلة، بدأت مصانع الحرس الثوري الايراني بإنتاج عشرات الطائرات. ‏تم اختيار مكوناتها من موردين مدنيين ومحال تجارية، وألمنيوم ‏من الدرجة العادية لتقليل تكلفة المواد. حُزمت الطائرات في صناديق كرتونية، ولإخفائها ‏عن أعين العدو كُتب عليها “معدات اتصالات”، ثم نُقلت إلى حيث تنتظرها ساحات سوريا والعراق.

 

الانتشار الأول

أقدم استخدام قتالي مؤكد علناً لطائرة شاهد-136 هو من قبل القوات الروسية تحت اسم “جران-2” ضد القوات ‏الأوكرانية، في 13 أيلول/سبتمبر 2022، استناداً إلى بقايا الطائرات الموثقة وتحليل الخبراء.

أما في الشرق الأوسط، فهناك مؤشرات قوية على أن تصميماً من عائلة “شاهد دلتا وينغ” كان مستخدماً ‏في هجمات الحوثيين منذ 2019، وترجح مصادر عسكرية ان تكون هجمات الحوثيين قد شُنّت ‏باستخدام “شاهد-131” وهي نسخة ما قبل “شاهد-136” من إصدار مصانع “شهيد همت للدفاع” الايرنية.

 

ظاهرة النسخ

سار خبر فعالية شاهد-136‏‎ ‎بسرعة. خلال أسابيع قليلة طلبت جهات أخرى الحصول على نسخ منها. ‏صممت شاهد-136 لتكون سهلة النسخ. حصل مهندسون في قوات الحشد الشعبي العراقية على ‏المخططات، أقاموا خط تجميع بسيط قرب البصرة.‏ كما أعادوا كتابة برنامج التوجيه بلغة مختلفة، لكن ‏الخوارزمية الأساسية بقيت ايرانية كما هي. نتج عن ذلك نسخة بتكلفة تقل عن 12 ألف ‏دولار لكل وحدة، بفضل العمالة الأرخص والمواد المحلية.

على الجانب اللبناني، أقام حزب الله ورشة سرية، حيث قام فنيوه بتعديلات بسيطة على الطائرة بحيث ‏أضافوا بطارية أقوى، ممددة زمن الطيران من 45 دقيقة إلى ساعة، وأدرجوا وحدة بسيطة مضادة للتشويش .‏

 

الأثر الاستراتيجي

غيّر انتشار نسخ شاهد-136‏‎ ‎حسابات الحرب الجوية الحديثة. صممت أنظمة الدفاع التقليدية مثل “‏باتريوت”‎، “‏SAMP/T”، وحتى “‎THAAD” لمواجهة صواريخ عالية السرعة وارتفاع كبير. أما ‏الطائرات الانتحارية البطيئة، منخفضة الرؤية، ففرضت على المدافعين تخصيص رادارات وموارد ‏اعتراض لتهديد يمكن أن يهاجم بأعداد كبيرة. حتى رشقة صغيرة من عشرين طائرة شاهد-136 يمكن ‏أن تغمر قدرة بطارية اعترض واحدة، مجبرة القادة على اختيار الأهداف التي يجب إعطاء الأولوية لها.

ردت الدول ذات الجيوش المتقدمة بتطوير وسائل مضادة مخصصة لهذه الطائرات. سرعت إسرائيل ‏نشر وتطوير قبة الطائرات (Drone Dome)، وهي نظام ليزر محمول قادر على تعطيل الطائرات الصغيرة ‏عن قرب. كشفت روسيا عن نسخة مطورة من نظام الدفاع الجوي “بانتسير ‏S1‎”، مضيفة وضع رادار منخفض ‏الارتفاع لتتبع أجسام لا تتجاوز 0.1 متر مربع. أما الولايات المتحدة فاستثمرت في خوارزميات ذكاء ‏اصطناعي تستطيع التعرف على نمط طيران شاهد-136 وهو صعود ثابت، رحلة طويلة، انحدار ‏ضحل خلال ثوانٍ من الإقلاع.

 

التطورات المستقبلية

بحلول أواخر 2024، كان المهندسون في طهران يجرون تحسينات على طائرة شاهد-136‏‎. الجيل ‏التالي، المسمى شاهد-141، سيحتوى على حجرة حمولة قابلة للتبديل تسمح للجهات المشغلة بتبديل رؤوس ‏حربية، أو حزم حرب إلكترونية، أو حتى كاميرات استطلاع صغيرة. كما تم اضافة نظام توجيه داخلي بهدف ‏تقليل الاعتماد على نظام (GPS).‎

وبالتوازي مع التطوير الرسمي، استمرت بيئة النسخ في التطور. في اليمن، استخدمت قوات الحوثي ‏نسخة تدعى “القدس-1‏‎” مزودة بجهاز استشعار حراري بدائي، ما مكنها من تنفيذ هجمات ليلية. أما في ليبيا، ‏فقد جمعت ميليشيات متنافسة نسخة صنعت من أجزاء مطبوعة ثلاثية الأبعاد، مبرهنة أن التصنيع ‏الإضافي يمكن أن يخفض الحواجز أمام الإنتاج.

 

شاهد تتحول إلى مدرسة عالمية

لم يدرك العالم أهمية شاهد-136 إلا بعدما دخلت بقوة إلى الحرب في أوكرانيا. روسيا، التي استنزفت ‏مخزونها من الصواريخ الدقيقة، لجأت إلى إيران. أطلقت على المسيرات اسم “غيران-2″ لإظهارها ‏كسلاح محلي. لم تكن المسيرة الروسية دقيقة دائماً، لكنها ملأت فراغاً تكتيكياً واستراتيجياً لدى روسيا، لتصبح إحدى ‏أدوات الحرب الأساسية.

بحلول 2024–2025، لم تعد شاهد-136 مجرد مسيرة، بل أصبحت مدرسة في عالم الأسلحة ‏منخفضة الكلفة. يشبهها كثيرون بـ”الكلاشينكوف” في عالم المسيرات، بسيطة، ويمكن لأي طرف ‏تقريبا إنتاج نسخة خاصة منه. لقد أثبتت أن التأثير العسكري لا يحتاج إلى هندسة معقدة، بل إلى فهم ‏اقتصادي وتكتيكي للثغرات في منظومات الدفاع الحديثة.

ورغم أن الولايات المتحدة لم تنتج نسخة مطابقة لـ”شاهد-136″، فإن نجاح هذا السلاح دفعها إلى تغيير ‏فلسفة التطوير‎. فبدأت بالاعتماد على برامج جديدة مثل “Replicator” ‎لإنتاج آلاف المسيرات ‏الرخيصة والسريعة التصنيع، إضافة إلى تعزيز استخدام ذخائر انتحارية مثل “Switchblade”، و”Phoenix Ghost”. وبرغم أن هذه الأنظمة أكثر تطورا من شاهد-136 من الناحية التقنية، فإن ‏جوهرها ينسجم مع الدرس الذي فرضته شاهد.

تكشف قصة مسيرة شاهد أن الحرب لم تعد حكراً على الأسلحة المتطورة والغالية. بل إن مستقبل ‏الصراعات قد يحسم بواسطة سلاح بسيط وقابل للتكرار بكميات هائلة.‏ إنها رسالة عسكرية واضحة: ‏الكلفة المنخفضة وليس فقط التكنولوجيا العالية، قد تحدد ميزان القوة في العقود المقبلة.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها