play icon pause icon

منى فياض

الأثنين ٥ كانون الثاني ٢٠٢٦ - 07:24

المصدر: صوت لبنان

الحق بان نعود بشرا

احتفل اللبنانيون بانتهاء عام 2025 على أمل ان يكون العام القادم أخف وطأة فقط، وعلى أمل ان يستعيدوا بعضاً من حقوقهم.
جعلني قدوم العام الجديد أستعيد ذاكرة الكتاب، الذي أصدرته منظمة اليونسكو عام 1968، بعنوان Le Droit d’être un homme؛ الذي أشرف عليه وكتب مقدمته René Maheu، المدير العام لليونسكو آنذاك.

الكتاب ليس عملاً فلسفياً موحداً، بل هو أنطولوجيا (مختارات) عالمية من النصوص، الأدبية والفكرية والسياسية، التي تحتفي بالحرية والكرامة الإنسانية عبر العصور ومن مختلف الثقافات. ويضم نصوصاً من تجارب إنسانية متعددة، لا يجمعها انتماءٌ جغرافي أو أيديولوجي واحد، بل فكرة مركزية بسيطة: أن للإنسان حقاً أصيلاً في أن يُعامل كإنسان، أي ككائن يتمتع بالكرامة، والحرية، والقدرة على تقرير مصيره.
الكتاب “ذاكرة انسانية مشتركة” لما يعنيه أن يُسلب الإنسان هذا الحق، وكيف عبّرت الشعوب، في أزمنة مختلفة، عن رفضها للاختزال والإذلال والإنكار.
لفتني فيه “شكوى الفلاح الفصيح” وهو أحد أقدم نصوص العدالة الاجتماعية في التاريخ، يعود إلى الأسرة المصرية الوسطى (نحو 1800 ق.م.). مُنح هذا الفلاح حقه، (وهو كان قد اشتكى 30 مرة) ليس لأنه قوي أو ثري، بل لأن بلاغته وإلحاحه على العدالة “جعلت الحاكم يُدرك أن من واجبه ليس فقط إنصافه، بل أن يوثق صوته كنموذج لطلب العدل”. هذه القصة وحدها تقول الكثير: أن الإنسان منذ آلاف السنين كان يطالب بـ”الحق في أن يكون إنساناً”، كما لو أنه نداء خالد عبر الأزمان.

إن ما يعيشه اللبنانيون منذ سنوات لا يندرج فقط في خانة الأزمات الاقتصادية أو الإدارية أو حتى السياسية، بل يلامس جوهر ما تحدّث عنه هذا الكتاب: تآكل الحق في أن يكون الفرد مواطناً كامل الأهلية، لا مجرد رقم في إحصاءات الفقر، ولا مادة في صراعات تتجاوز إرادته.
ما يتبدّى في التجربة اللبنانية هو انفصال متزايد بين الدولة بوصفها كياناً قانونياً، وبين الإنسان بوصفه حاملاً للحقوق بموجب القوانين نفسها. لم يعد السؤال محصوراً في شكل النظام أو توازناته، بل في معنى الانتماء نفسه: ماذا يعني أن تكون مواطناً في بلد لا يضمن الحد الأدنى من شروط العيش الكريم؟ وما الذي يبقى من فكرة الوطن حين يصبح البقاء اليومي معركة فردية؟

هنا يكتسب كتاب Le Droit d’être un homme راهنيته. فهو لا يتحدث عن حقوق سياسية مجردة، بل عن شروط إنسانية أولية: الأمان، الكرامة، القدرة على العمل، الحق في الأمل. وهي كلها عناصر تتآكل بصمت حين تتحول الدولة إلى بنية عاجزة أو غائبة.
اللافت في هذا الكتاب أنه لا ينطلق من خطاب اتهامي أو ثوري، بل من قناعة مفادها أن استعادة الإنسان لحقه بإنسانيته تبدأ من الاعتراف به. وأن المجتمعات لا تنهض فقط عبر التغيير السياسي، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين الفرد والسلطة، وبين المواطن وذاته.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة الواقع اللبناني اليوم لا بوصفه استثناءً، بل كحالة قصوى لما يحدث عندما يُفرّغ مفهوم المواطنة من مضمونه. فالحق في أن يكون الإنسان إنساناً لم يعد مسألة نظرية، بل أصبح مطلباً يومياً يتجسد في الكهرباء، والدواء، والكرامة في العمل، والعدالة في القانون.
من هنا، تصبح قراءة الواقع اللبناني اليوم بوصفه حالة قصوى، لما يمكن ان تصل اليه دولة عندما تصبح مطالب المواطن اليومية تتجسد في طلب أبسط الحقوق التي تؤمنها أفقر الدول لمواطنيها.
لذلك، فإن استحضار هذا الكتاب اليوم ليس فعل حنين ثقافي، بل محاولة لإعادة طرح سؤال بسيط في ظاهره، جذري في مضمونه:
كيف يمكن للبناني أن يستعيد حقه في أن يكون إنساناً، قبل أي انتماء آخر؟
هذا السؤال، وربما وحده، يستحق أن يكون مدخل أي نقاش جدي حول المستقبل.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها