محمد موسى

الأثنين ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٦ - 10:35

المصدر: صوت لبنان

قانون (GENIUS Act)، تقني مالي في ظاهره… وتحول عالمي في جوهره

قد يبدو قانون تنظيم العملات المستقرة في الولايات المتحدة، المعروف باسم قانون جينيوس(GENIUS Act)، تشريعًا تقنيًا يهدف إلى ضبط سوق العملات الرقمية وتنظيمه، إلا أن القراءة المتأنية لمضمونه وسياقه التاريخي والجيوسياسي تكشف أنه يحمل أبعادًا أعمق بكثير. فهذا القانون لا يعالج قطاعًا ماليًا ناشئًا فحسب، بل يؤشر إلى تحوّل جذري في بنية النظام النقدي والمالي العالمي، وقد يكون من أخطر التحولات منذ فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971في ذلك العام، اتخذ الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون قرارًا تاريخيًا عُرف بصدمة نيكسون، أنهى فيه العلاقة بين الدولار والذهب، وأسّس لنظام العملات الورقية الإلزامية. لم يكن القرار تقنيًا أو ظرفيًا، بل لحظة تأسيس لنظام عالمي سمح للولايات المتحدة بتمويل عجزها عبر الدين، مستندة إلى كون الدولار عملة الاحتياط الأولى في العالم. ومنذ ذلك الحين، تحوّل الدين الأميركي من مشكلة داخلية إلى ركيزة من ركائز النظام المالي الدولي.اليوم، وبعد أكثر من خمسين عامًا، لا يبدو أن واشنطن تتراجع عن هذا النموذج، بل تقوم بتحديثه وتطويره عبر أدوات رقمية أكثر كفاءة وانتشارًا. في هذا الإطار، يأتي قانون جينيوس ليمنح العملات المستقرة شرعية قانونية كاملة، بشرط أن تكون مدعومة باحتياطيات قائمة أساسًا على سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل. هذا الشرط هو جوهر التحول الجديد، إذ يحوّل الطلب العالمي على الدولار الرقمي إلى طلب مباشر ومنهجي على الديون الحكومية الأميركية. وبهذه الآلية، لم يعد تمويل العجز الأميركي يعتمد فقط على الدول الكبرى أو المصارف المركزية، بل أصبح مرتبطًا بملايين الأفراد والشركات حول العالم. فكل مستخدم في دولة تعاني من تضخم مرتفع أو ضعف في عملتها المحلية، وكل شركة تبحث عن وسيلة دفع سريعة وعابرة للحدود، يتحول عمليًا إلى ممول غير مباشر للدين الأميركي عبر اقتنائه الدولار الرقمي. وهكذا، تنتقل الولايات المتحدة من مرحلة طباعة الدولار داخل نظامها المصرفي، إلى مرحلة تصنيع الطلب العالمي عليه عبر الفضاء الرقمي.إن هذا النموذج يسمح لواشنطن بتخفيف الاعتماد على طباعة النقود التقليدية، وما يرافقها من ضغوط تضخمية داخلية، لكنه في المقابل يوزّع كلفة هذا التوسع النقدي على مستخدمي الدولار الرقمي في مختلف دول العالم. وبذلك، تتحول السياسة النقدية الأميركية من سياسة وطنية ذات آثار عالمية غير مقصودة، إلى سياسة عالمية تُمارَس بشكل غير مباشر عبر الأدوات الرقمية.
من هنا جاءت التحذيرات التي صدرت عن مسؤولين روس، ومن بينهم مستشارينللرئيس فلاديمير بوتين، والحقيقة انهالم تأتِ من فراغ. فقد جرى التحذير من دفع العالم نحو ما يشبه السحابة المالية الخاضعة للإدارة الأميركية. ففي النظام المالي التقليدي، تمر الأموال عبر مصارف وطنية تخضع لقوانين محلية، وتعتمد على شبكات دولية لتحويل الأموال، ما يترك هامشًا من السيادة والقدرة على المناورة. أما في النظام الجديد القائم على العملات المستقرة، فإن الأموال تتحول إلى وحدات رقمية تعمل على شبكات سلسلة الكتل وتُدار عبر شركات مُصدِرة ملزمة بالقانون الأميركي.
هذا الواقع يمنح الولايات المتحدة قدرة غير مسبوقة على التحكم في حركة الأموال عالميًا، بما في ذلك إمكانية تجميد الأصول أو تعطيلها عن بُعد، من دون الحاجة إلى المرور بالمؤسسات المالية التقليدية أو القنوات الدبلوماسية. وهكذا، لا يعود الدولار مجرد أداة تبادل أو مخزن للقيمة، بل يتحول إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي مباشر. فأي تراجع في قيمة الدولار أو توسع في كتلته النقدية لن تتحمل نتائجه الولايات المتحدة وحدها، بل سيتوزع على كل من يحتفظ بهذه العملات في الخارج، فيما يمكن وصفه بأنه تدويل للتضخم(Globalized inflation).
في المقابل، لا تشير هذه التحولات إلى انهيار وشيك للدولار، بل إلى إعادة تشكيل دوره. فالدولار لا يفقد مكانته، بل يتحول إلى صيغة رقمية أكثر مرونة وانتشارًا، خصوصًا في الدول التي تعاني من ضعف عملاتها الوطنية. هذا الواقع يفسر توجه عدد متزايد من الدول الكبرى نحو تعزيز احتياطاتها من الذهب، كما يفسر الاهتمام المتنامي بالأصول التي لا يمكن إصدارها أو التحكم بها سياسيًا، مثل العملات الرقمية اللامركزية.

أما الدول النامية، فتواجه في هذا السياق مخاطر مضاعفة. فسهولة الوصول إلى الدولار الرقمي قد تؤدي إلى تسارع ظاهرة الدولرة بصيغة رقمية، ما يضعف قدرة الدول على إدارة سياساتها النقدية، ويزيد من هشاشة اقتصاداتها، ويفتح الباب أمام أزمات مالية واجتماعية حادة. وفي المقابل، تستفيد الولايات المتحدة من هذا الانتشار الواسع للدولار الرقمي في تثبيت الطلب على ديونها العامة وتأجيل معالجة أزمتها البنيوية.
خلاصة القول إن قانون جينيوس لا يمكن فهمه كتشريع مالي معزول، بل كجزء من إعادة هندسة شاملة للنظام الدولي. نحن أمام تشكّل نظام سياسي ومالي ونقدي واقتصادي جديد، تُعاد فيه صياغة أدوات القوة، وتُستبدل فيه البوارج العسكرية بالخوارزميات، والعملات الورقية بالسيولة الرقمية القابلة للبرمجة.غير أن خطورة هذا التحول لا تكمن في فكرته فقط، بل في طريقة تنفيذه وتداعياته. فالتاريخ يُظهر أن التحولات الكبرى في النظام النقدي العالمي لم تمرّ بهدوء، بل رافقتها أزمات، وانهيارات، وصراعات، وسقوط إمبراطوريات، وإفلاس دول وشركات، وخسارة أفراد لمدخراتهم وحياتهم. من هنا، يمكن القول إن العالم يقف اليوم أمام نقطة تحوّل عالمية، قد تعيد رسم الخرائط الاقتصادية والسياسية، وقد تحصد ضحاياها بصمت أو بعنف، إذا لم تُفهم قواعدها الجديدة بوعي ومسؤولية.
وعليه نحن لا نعيش مجرد تحديث تقنيمالي بل نظام دولي جديد على غرار ما يجري في خرائط الجغرافيا والسياسة، إنه انتقالُ تاريخيٌ في معنى المال والسلطة والسيادة. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون المعرفة ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء في عالم تتغيّر قواعده بسرعة هائلة نحو حافة الهاوية.

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها