محمد موسى

الأثنين ٩ شباط ٢٠٢٦ - 10:07

المصدر: صوت لبنان

كيفن وارش والاحتياطي الفيدرالي: تناقض الانضباط وعودة السياسة إلى قلب النقد؟!!

إعادة طرح اسم كيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي لا يمكن فهمها كحدث تقني معزول أو كخيار شخصي ضمن لائحة مرشحين، بل كإشارة سياسية عميقة تعكس تحوّلاً في مقاربة السلطة التنفيذية الأميركية لدور المؤسسات المستقلة، وفي مقدّمها البنك المركزي. فوارش ليس غريباً عن الفيدرالي ولا عن لحظاته المفصلية؛ فقد شغل منصب محافظ بين عامي 2006 و2011، أي في قلب العاصفة المالية العالمية، وشارك في إدارة واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث. غير أن ما يميّزه اليوم ليس ماضيه داخل المؤسسة، بل مساره الفكري والسياسي بعد خروجه منها.منذ مغادرته الاحتياطي الفيدرالي، بنى وارش خطاباً نقدياً حاداً تجاه سياسات التيسير الكمي وأسعار الفائدة المتدنية، معتبراً أن البنك المركزي تجاوز تفويضه الأصلي، وأسهم في خلق فقاعات مالية، وعمّق الاختلال في توزيع الثروة، وأضعف الانضباط النقدي الذي يشكّل – برأيه – أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. هذا التحوّل جعله أقرب إلى التيار المحافظ الشعبوي الذي يرى في الفيدرالي جزءاً من بنية مؤسسية متضخّمة، منفصلة عن المزاج العام وعن أولويات الاقتصاد الحقيقي، وهو التيار نفسه الذي شكّل إحدى ركائز المشروع السياسي لدونالد ترامب.
في هذا السياق، يصبح وارش خياراً منسجماً مع رؤية ترامب في ولايته الثانية، وهي رؤية أقل تصالحاً مع الأعراف وأكثر اندفاعاً نحو إعادة تطويع الدولة. تجربة ترامب في ولايته الأولى مع جيروم باول كانت كاشفة: رئيس أميركي يصطدم علناً برئيس الاحتياطي الفيدرالي، يهاجمه، يضغط عليه، ويتهمه بتقويض النمو، من دون أن ينجح فعلياً في إخضاع القرار النقدي لإرادته السياسية. اليوم، يبدو أن الدرس قد استُوعب: بدلاً من الصدام مع مؤسسة مستقلة من الخارج، يجري التفكير في إعادة تشكيلها من الداخل، عبر اختيار شخصية لا ترى في الاستقلال قيمة مطلقة، بل أداة مشروطة بالنتائج.
وارش لا يدافع عن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي بالمعنى الكلاسيكي الذي ساد منذ ثمانينيات القرن الماضي. هو يرى أن هذا الاستقلال تحوّل، مع الزمن، إلى غطاء لتوسّع غير خاضع للمساءلة، وأن إعادة الانضباط تتطلب إعادة ربط السياسة النقدية بالإطار السياسي العام، ولو بشكل غير مباشر. من هنا، تكمن خطورته بقدر ما تكمن جاذبيته: فهو لا يطرح انقلاباً مباشراً على الفيدرالي، بل إعادة تعريف لوظيفته ودوره، بما يجعله أكثر انسجاماً مع أولويات السلطة التنفيذية.
اقتصادياً، وصول وارش إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي قد يفتح الباب أمام سياسة نقدية أكثر تشدداً في مواجهة التضخم، حتى لو جاء ذلك على حساب النمو أو استقرار الأسواق المالية. سياسياً، يعني ذلك تضييق المسافة بين البيت الأبيض والبنك المركزي، في سابقة قد تعيد رسم حدود الفصل بين السياسة والنقد في الولايات المتحدة. أما دولياً، فإن فيدرالياً أقل استقلالية وأكثر حساسية للحسابات السياسية الداخلية قد يزيد من تقلبات النظام المالي العالمي، ويضعف الثقة بالدولار كعملة احتياط يُفترض أنها محكومة بمنطق مؤسسي لا انتخابي، في وقت تبحث فيه قوى دولية صاعدة عن بدائل أو هوامش تحوّط من الهيمنة الأميركية.
في المحصّلة، لا يمكن قراءة ترشيح كيفن وارش إلا كجزء من مسار أوسع يقوده دونالد ترامب لإعادة هندسة الدولة الأميركية، عبر كسر التوازنات التي حكمت العلاقة بين السلطات لعقود. فإذا كان الاحتياطي الفيدرالي أحد آخر معاقل الاستقلال المؤسسي في النظام الأميركي، فإن وارش قد يشكّل الأداة التي تسمح باختراق هذا المعقل من الداخل، لا عبر الصدام، بل عبر خطاب إصلاحي محافظ يعيد تعريف الاستقلال نفسه. وهنا، لا تعود المسألة نقدية بحتة، بل تتحوّل إلى معركة سياسية–مؤسسية، تتجاوز واشنطن لتطال بنية النظام الاقتصادي العالمي بأسره وما على البنوك المركزية في العالم إلا انتظار ما يرسمه ترامب لترتيب البيت العالمي المالي على وقع حضور رئيس الفيدرالي المطيع فهل نحن فقاعات جديدة و سياسات بهلوانية قادمة؟!!!.

 

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها