المصدر: صوت لبنان
جوهر الأزمة اللبنانية في ضوء كتاب روح الشعوب
يُعدّ أندريه سيغفريد من المفكرين الذين أسهموا في تأسيس مقاربة سوسيولوجية – سياسية لفهم المجتمعات الحديثة، انطلاقاً من الربط بين الجغرافيا، والبنية الاجتماعية، والنفس الجماعية، وأشكال السلطة. وقد أتاحت كتاباته، ولا سيما في كتابه روح الشعوب، أدوات تحليلية لا تزال راهنة لفهم الأزمات البنيوية التي تعيشها دول لم تنجح في تحويل الدولة إلى إطار جامع، بل بقيت أسيرة بنيات ما قبل الدولة.
يندرج لبنان ضمن هذا النمط التحليلي بامتياز، إذ يمكن قراءته بوصفه نموذجاً لدولة تعثّر تشكّلها، بمواصفات الدولة الوطنية، لا بسبب غياب المؤسسات فحسب، بل بسبب تعارض عميق بين منطق الدولة ومنطق الجماعة، وبين القانون المكتوب والأعراف المتجذّرة.
السلطة بين الإغواء والانقسام
ينطلق سيغفريد من فكرة أساسية مفادها أن السلطة لا تُمارَس فقط من خلال المؤسسات، بل من خلال قبول المجتمع بها واستبطانه لآلياتها. في السياق اللبناني، لا تتجسد السلطة في مركز واحد، بل تتوزع بين طوائف وقوى سياسية متنافسة، لكل منها شرعيتها الخاصة، ورمزيتها، وشبكة حمايتها.
هذا التعدد لا يؤدي إلى توازن ديمقراطي، بل إلى تضخّم سلطات متوازية تتغذى من ضعف الدولة. وهكذا تتحول السلطة من وظيفة تنظيمية إلى مورد للسيطرة، ويصبح الانتماء الطائفي شرطاً للنفاذ إلى الحقوق، وليس المواطنة.
الحرب كحالة بنيوية لا كحدث عابر
يُبرز سيغفريد أن الحروب لا تُغيّر الخرائط فقط، بل تُعيد تشكيل الذهنيات. في الحالة اللبنانية، لم تكن الحرب الأهلية حدثاً منقطعاً، بل لحظة تأسيسية لهوية سياسية جديدة قائمة على الخوف، والارتياب، وإعادة إنتاج الذاكرة الانتقائية.
ما نتج عن ذلك هو وعي جماعي مشدود إلى الماضي، يتعامل مع الدولة لا كضامن مشترك، بل كتهديد محتمل، ويُعيد تفسير السياسة بوصفها صراع بقاء لا مجال فيه للتسويات العميقة.
التقنية والاغتراب السياسي
يشير سيغفريد إلى أن التقدم التقني لا يؤدي بالضرورة إلى تقدم سياسي أو أخلاقي. وفي الحالة اللبنانية، أدى تطور البنى التقنية والمالية إلى تعميق الاغتراب بين المواطن والدولة، لا إلى تقليصه.
فالرقمنة، والمصارف، وشبكات الاتصال، لم تُنتج إدارة حديثة، بل عمّقت اللامساواة، ورسّخت شعوراً بأن الدولة جهاز ناء وبعيد، غير قابل للمساءلة، ويعمل وفق منطق منفصل عن حاجات المجتمع.
منطق الحماية وتفكك الانتماء الوطني
في السياق اللبناني يتأكد مفهوم “الحماية” الذي يحتل موقعا مركزيا في تحليل سيغفريد للمجتمعات المنقسمة. ففي لبنان، تشعر الجماعات بحاجتها للحماية، لكنها لا تُفهم الحماية بوصفها وظيفة الدولة، بل كامتياز تمنحه الجماعة لأفرادها مقابل الولاء.
هكذا تتكاثر “دوائر الأمان” الصغرى، ويضمحل الإطار الوطني الذي يؤمن الحماية الفعلية؛ ويتحوّل الانتماء إلى علاقة تبادلية بين الخوف والزعامة. إن الدولة، في هذا السياق، لا تختفي، لكنها تفقد معناها الجامع.
الأعراف بدل القانون – جوهر الأزمة اللبنانية
من أهم مفاتيح فهم الواقع اللبناني أن القانون، رغم حضوره النصي، لا يشكّل المرجعية الفعلية للسلوك السياسي. فالأعراف الطائفية، والتوازنات غير المكتوبة، ومبدأ “اللا -غالب ولا مغلوب” تحلّ محل دولة القانون.
هذا ما يجعل النظام اللبناني شديد المرونة ظاهرياً، لكنه عاجز بنيوياً عن الإصلاح أو المحاسبة. وهو ما يفسر تكرار الأزمات دون قدرة على إنتاج قطيعة بنيوية معها.
لبنان كحالة سيغفريدية بامتياز
يتيح فكر أندريه سيغفريد مقاربة مختلفة للحالة اللبنانية، لا تبحث عن الحلول في تبديل الأشخاص أو تعديل النصوص، بل في فهم الشروط العميقة التي أعاقت نشوء دولة حديثة.
فلبنان ليس دولة فاشلة بقدر ما هو دولة لم تُستكمل شروط ولادتها، لأن الجماعة سبقت الدولة، والهوية سبقت القانون، والولاء سبق المواطنة.
من هذا المنظار، لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح ما لم يلامس البنية الذهنية والاجتماعية التي تنتج السلطة ذاتها، لا مظاهرها فقط.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها