المصدر: صوت لبنان
رأي في رأي هيئة التشريع والاستشارات
لقد أفتت هيئة التشريع والاستشارات بحق المغترب اللبناني في الاقتراع من الخارج في محل قيد نفوسه في الداخل اللبناني إستناداً الى الحق الذي أنشأته له المادة ١١١ من القانون الانتخابي ٢٠١٧/٤٤.
غير أن هذا الرأي لا يستقيم للأسباب التالية :
١- إن مرسوم دعوة الهيئات الناخبة هو مرسوم تنظيمي يرتبط بالعملية الانتخابية بحدّ ذاتها (acte préparatoire au scrutin)، وليس مرسوماً إدارياً من فئة الأعمال الحكومية (acte de gouvernement). فيكون من هذه الزاوية قابلاً للابطال امام مجلس شورى الدولة. وإن القضاء الفرنسي (مجلس شورى الدولة والمجلس الدستوري) بات يجاري هذا التوصيف بشكل مستقر ويقبل بهذه المراجعة.
٢- اما أسباب بطلان هذا المرسوم فهي تعود إلى أمرين جوهريين :
الاول، هو أنه لم يُشر الى الدائرة الانتخابية السادسة عشرة (١٦). وأن عدم تضمّنه لها من شأنه أن يؤدي الى عدم اكتمال تكوين عدد أعضاء المجلس النيابي الذين نصّ عليهم القانون الانتخابي بالمادة ١٢٢ (١٣٤ نائباً).
والثاني، أنه حرم اللبنانيين غير المقيمين من ممارسة حقهم بالاقتراع من بلدان اغترابهم للدائرة الانتخابية ١٦ الخاصة بهم.
وإن هذين النقصين الجوهريين يبرّران إبطال المرسوم المشار إليه، لكونهما يمسان باكتمال تكوين المجلس النيابي وبجوهر العملية الانتخابية لجهة صحة تمثيلها للأمة اللبنانية جمعاء.
٣- أما الدائرة الانتخابية السادسة عشرة (١٦) فهي معدّة لان تُنشأ بمرسوم تطبيقي يصدر عن مجلس الوزراء الذي فوّض بصلاحية تشريعية لهذه الناحية (délégation de pouvoir). بحيث كان يتوجب عليه القيام بالمهمة التي أُنيطت به، لا أن يُعلن عجزه عن القيام بها ويُعيد الى المجلس النيابي تولّي إنشاء وتكوين تلك الدائرة.
٤- إن حق المغترب اللبناني بالاقتراع المنصوص عنه بالمادة ١١١ من القانون ٢٠١٧/٤٤ إنما يرتبط مباشرة بالدائرة ١٦ المنصوص عنها بالمادتين ١١٢ و ١٢٢ والتي تتكّون وفق المادتين ١٢٣ و ١٢٤ من القانون المذكور. كما وإن تسجيله للاقتراح قد تمّ أيضاً وفق المادة ١١٣ على قاعدة أنه سيُمارس حقّه الانتخابي ضمن تلك الدائرة.
٥- إن المشترع اللبناني قد خصّص بالقانون ٢٠١٧/٤٤ الفصل الحادي عشر لوضع آلية لتسجيل واقتراع اللبناني غير المقيم، إمتدت من المادة ١١١ وحتى المادة ١٢٤ ضمناً. فإذ هي تطبّق وتفسّر بشكل متكامل ومترابط في ما بينها.
٦- إنطلاقاً مما تقدم، يكون رأي هيئة التشريع والاستشارات (الصادر بالأمس) غير قانوني، على وجه مطلق. لأنه أجاز للمغترب اللبناني الاقتراع من محل تواجده خارج الأراضي اللبنانية في محل قيد نفوسه في الداخل اللبناني، من دون أن يرتكز هذا الرأي الى أي نص قانوني صريح وناطق يجيز له قول ذلك. بل إن النص الذي أجاز صراحة وجهاراً للمغترب حق الاقتراع (١١١)، إنما تمّ ربطه بالدائرة الانتخابية ١٦ الخاصة به (١١٢ و ١٢٢).
٧- كما وإن المادة ١١١ التي لحظت المراكز الانتخابية للمغترب اللبناني في السفارات او القنصليات او في اماكن اخرى تحددها وزارة الداخلية بالتنسيق مع وزارة الخارجية والمغتربين، إنما لا تجيز للمغترب المذكور الاقتراع في محل قيد نفوسه في الداخل اللبناني. على إعتبار أن تسجيله للاقتراع الذي تمّ في محل تواجده في الخارج وفق المادة ١١٣ إنما يمنعه من الاقتراع في محل إقامته الأصلي، أي في محل قيد نفوسه ضمن الأراضي اللبنانية، على ما نصت عليه المادة ١١٤.
٨- يبقى أن إحترام مبدأ سير عمل المؤسسات الدستورية، الذي يبرّر عدم امكانية الطعن بمرسوم دعوة الهيئات الناخبة لكونه عملاً حكومياً يقضي بإجرائها وفق منطوقه، تبعاً لما يقول البعض، إنما يعلوه مبدأ دستوري آخر هو وجوب اكتمال تكوين السلطة الاشتراعية، وفق قانون إنشائها، وذلك حتى تضطلع بالصفة التمثيلية الصحيحة والكاملة لجميع أبناء الامة اللبنانية المقيمين وغير المقيمين.
٩- في المحصلة، كان لا بدّ من تدخل المشترع لمعالجة كل هذه الإشكالية. اما وإن تمّت عرقلة تدخله بفعل تجاوزات رئيس المجلس النيابي، فإن إرجاء الانتخابات النيابية بتمديد ولاية مجلس النواب الحالي لمدة سنتين، على سبيل المثال، هو المخرج الذي يخدم القوى السيادية المعارضة في ظل الأوضاع السياسية السائدة (عدم تسليم حزب الله لسلاحه)، والرغبة المتعمدة في إقصاء المغترب اللبناني عن المشاركة في العملية الانتخابية من مكان تواجده في بلاد الاغتراب في محل قيد نفوسه. سيما وأن الانتخابات المجراة في مثل تلك الأوضاع لن تغيّر بشكل جذري في تركيبة المجلس النيابي الحالي، وبخاصة لدى الطائفة الشيعية.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها