المصدر: صوت لبنان
السفير الأميركي مايك هاكابي: وجه اميركا الحقيقي في منطقتنا …. ربما
شكّل تصاعد حضور التيار الإنجيلي المحافظ داخل الحزب الجمهوري أحد المفاتيح التفسيرية لفهم التحول البنيوي في مقاربة الولايات المتحدة للصراع العربي–الإسرائيلي خلال العقد الأخير. فالتصريحات التي أدلى بها مايك هاكابي في مقابلات إعلامية مع شخصيات محافظة مثل تاكركارلسون لم تكن مجرد آراء فردية، بل تعبيراً مكثفاً عن رؤية أيديولوجية تعتبر دعم إسرائيل التزاماً عقدياً يتجاوز الحسابات البراغماتية التقليدية. هذا المنظور، المتجذر في القراءة الإنجيلية الحرفية للنصوص الدينية، انتقل من الهامش الثقافي إلى قلب القرار السياسي، ووجد ذروته التنفيذية خلال إدارة دونالد ترامب عبر خطوات مفصلية أعادت تعريف الموقف الأميركي من قضايا القدس والحدود والسيادة.
غير أن التحول لم يكن دينياً صرفاً، بل تلاقى فيه البعد العقائدي مع مقاربة استراتيجية أعادت إحياء مفهوم “السلام من خلال القوة”، المرتبط تاريخياً بإدارة رونالد ريغان. إلا أن إعادة إنتاج هذا المفهوم في السياق الشرق أوسطي الراهن جاءت بصيغة أكثر صلابة، تقوم على فرض الوقائع الميدانية بوصفها أساساً للتسويات اللاحقة، لا العكس. وهنا تتقلص مساحة التفاوض لمصلحة منطق الحسم، ويتراجع دور القانون الدولي أمام مركزية القوة الصلبة.في هذا الإطار، لا يمكن إغفال التصريحات الصادرة عن مسؤولين أميركيين بارزين في السنوات الأخيرة، سواء ما عبّر عنه ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن حول أولوية المصالح القومية الأميركية حتى لو تعارضت مع مقاربات الحلفاء، أو ما كرره جي دي فانس في أكثر من مناسبة عن ضرورة إعادة تعريف الالتزامات الأميركية الخارجية وفق منظور سيادي محافظ. هذه المواقف تعكس اتجاهاً عاماً داخل التيار الجمهوري يرى أن النظام الدولي الليبرالي لم يعد إطاراً مُلزِماً، بل عبئاً يقيّد الإرادة الأميركية، وأن إعادة هندسة التوازنات تمر عبر فرض الشروط لا التفاوض حولها.
ضمن هذا السياق، تبدو الخيارات الدولية أكثر ضيقاً مما توحي به الخطابات الدبلوماسية. فالحديث عن قدرة كيانات كـ“بريكس” أو الاتحاد الأوروبي على موازنة القرار الأميركي يصطدم بواقع تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية، وبالانقسامات الداخلية، وبالاعتماد البنيوي على النظام المالي الغربي. حتى المؤسسات متعددة الأطراف، بما فيها الأمم المتحدة، تبدو عاجزة عن تجاوز حدودها الإجرائية في ظل اختلال ميزان القوى داخل مجلس الأمن. هكذا يتحول القانون الدولي من أداة تنظيمية ملزمة إلى مرجعية أخلاقية محدودة التأثير، فيما تتقدم القوة بوصفها المحدد الفعلي للسلوك الدولي.
أما في الإقليم، فقد أفضت الحرب في غزة والتطورات في الضفة الغربية إلى تعميق الشعور بانسداد الأفق السياسي. فحين يُستبدل منطق التسوية بمنطق الردع الدائم، وتُختزل مفاهيم الأمن في التفوق العسكري، تتراجع فرص السلام الإيجابي لمصلحة إدارة صراع مفتوح. ويزداد المشهد تعقيداً مع صعود شخصيات يمينية متشددة في إسرائيل تتبنى مقاربات توسعية وأمنية صارمة، ما يرسّخ بيئة لا ترى في التفاوض سوى أداة تكتيكية لا خياراً استراتيجياً.
في هذا المناخ، يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل المطلوب من النظام الدولي الخضوع المطلق لمنطق أيديولوجي–ديني في رسم السياسات الكبرى؟ وهل يقود تعميم هذا المنطق إلى إعادة صياغة الصراعات بوصفها صدامات حضارية أو دينية، بما يعيد إنتاج دورات من الحروب ذات الطابع الديني ونحن في العام 2026؟!!! إن تحويل التصورات اللاهوتية إلى محددات مباشرة للسياسة الخارجية يحمل مخاطر بنيوية، لأنه ينقل النزاع من حيّز المصالح القابلة للتسوية إلى حيّز المطلق غير القابل للمساومة وهنا اخطر ما في الكلام الصادر عن شخصية بصفة رسمية كمايك هاكابي!!!.
وعليه، فإن ضيق الخيارات لا ينبع فقط من اختلال ميزان القوى، بل من تحوّل المرجعية الناظمة للنظام الدولي من قواعد تفاوضية إلى سرديات قيمية صلبة. في ظل هذا التحول، تتقلص قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على المناورة، ويغدو السلام رهينة معادلة تقوم على القوة أكثر مما تقوم على العدالة. غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن الاستقرار القائم على الإكراه وحده يظل هشّاً، وأن أي نظام دولي يستند إلى تفوق غير متوازن من دون شرعية سياسية وأخلاقية يظل عرضة للاهتزاز عند أول تحوّل في موازين القوى. السؤال المفتوح إذاً ليس ما إذا كانت القوة قادرة على فرض واقع، بل ما إذا كان هذا الواقع قابلاً للاستدامة في عالم تتزايد فيه التوترات وتتآكل فيه مساحات التوافق
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها