منى فياض

الأثنين ٢ آذار ٢٠٢٦ - 09:18

المصدر: صوت لبنان

هل يمثل الملالي الثقافة الايرانية؟

عند السؤال كيف سترد إيران على الضغوط والتهديدات الخارجية التي تتعرض لها، وكيف ستكون ردة فعل الشعب الإيراني؟ هناك من يقفز ليخبرك أن إيران سترد بكذا وكذا، والشعب الإيراني سيلتف حول نظام الولي الفقيه، اعتمادا على ما يسمونه الثقافة أو الروح الإيرانية العميقة، مفترضين ان نظام ولاية الفقيه يعبر عن هذه الثقافة وعن الشعوب الإيرانية بأسرها!!
فهل حقاً أن نظام الديني الحاكم في إيران، كإسلام سياسي، يعبّر عن ثقافة الشعب الإيراني في عمقها وتنوعها؟
ألا يمثل هذا النظام انحرافاً عنها – أو توظيفاً انتقائياً ومؤدلجاً لهذه الحضارة – لخدمة نظام ديني- سياسي مغلق.؛ وهو بعيد كل البعد عن تمثيل الروح الإيرانية بتنوعاتها؟
السؤال كيف انفصلت جمهورية إيران الإسلامية عن “إيران كحضارة”؟
إيران، المكونة من فسيفساء من شعوب وقوميات واتنيات وأديان ومذاهب، ليست ذات “ثقافة واحدة”. انها نتاج سيرورة حضارية معقدة ومكونة من طبقات متراكبة، تشمل ما قدمته الزرادشتية: فكرة النور والحق والحرية، والمسؤولية الفردية وتقديس العقل والطهارة، ورمزية النار والنور بلغتها القديمة ( الأفستية والفهلوية).
ثم هناك التأثير الإسلامي في الشعر الصوفي والعرفاني والفكر الأخلاقي والفلسفة (السهروردي والملا صدر الدين الشيرازي والرومي كنماذج)، كلها أبرزت جمال اللغة الفارسية.
ثم جاء التشيع التقليدي: كربلاء، الحسين، المظلومية، الانتظار، وفكرة الخلاص من الاستبداد، ودُفعت نحو عقيدة الولي الفقيه وتصدير الثورة.
يضاف الى كل ذلك تأثير القومية الحديثة: استعادة أمجاد ما قبل الإسلام، مع الفردوسي، والكرامة الإيرانية، والتحرر من التدخل الخارجي.
ثم هناك الثقافة المدنية، القومية العلمانية جزئياً، متصاحبة مع التمرد الشبابي، والموسيقى والسينما والنقد الديني.
فأي منها يقصد من يشير الى “الروح الإيرانية” التي سترد ولن تتنازل؟ أي روح يقصدون؟ هل الزرادشتية العقلانية؟ ام الصوفية المتسامحة؟ ام الشيعية الغازية – المناضلة؟ ام القومية الاستعلائية؟ أم الإسلام الثوري؟ او جيل التيك توك في طهران؟
يبرر النظام الحالي الديكتاتوري وسياسته في تصدير الثورة، باستخدام الاصطلاح الفقهي لدى الشيعة المعروف بعقيدة “ولاية الفقيه”، مع انه اصطلاح مرفوض أصلاً لدى الشريحة الأكبر من الشيعة في العالم باعتباره انحرافاً دينياً.
إن النزاع الطائفي بين الشيعة والسنة، لم يتخذ شكلاً صارخاً إلا بعد انفصال الصفويين عن العثمانيين السنة، وأثناء التنافس بينهما على العراق. ثم بلغ ذروته على يد الخميني بعد الثورة الاسلامية. وهو لم يكتف بتأجيج الصراع السني الشيعي، بل وتسبب، بانقسام الشيعة أنفسهم. فبسبب تطبيقه لعقيدته بولاية الفقيه التي تدعو الى تسلم رجال الدين مقاليد السلطة السياسية المطلقة، انقسم البيت الشيعي -لأول مرة- الى حوزتين متناقضتين ومتنافستين: الحوزة العلمية الصامتة في النجف والحوزة الثورية المسيسة والغازية في قم.

ان رجال الدين، حكام طهران حالياً، هم الامتداد السياسي لفكرة ولاية الفقيه التي صاغها الخميني، وهذه العقيدة ليست نتاج تطور طبيعي للثقافة الإيرانية، بل انقلاب إيديولوجي حوّل الدين الى دولة، وقام على مركزية مطلقة لرجل الدين بشخص المرشد الأعلى والفقيه. وهو يعادي المجتمع المدني باسم درء “الفتنة” و”المؤامرة”. ويستخدم التعبئة المستمرة ضد العدو: أميركا وإسرائيل، وفكرة تصدير الثورة التي تضمر العداء للمحيط العربي. ناهيك عن العداء في الداخل: للنساء، الفلسفة والفن والأدب والمثقفين عموماً.
هذه البنية لا تشبه أياً من مكونات الثقافة الإيرانية التقليدية، فهي لا تمثل الزرادشتية، ولا الصوفية ولا الإيرانية، ولا حتى التشيع كما عرفه الإيرانيون لقرون.
كيف طوّع الملالي الثقافة لخدمة نظامهم وتدعيم سلطتهم؟
استعاروا من التشيع التقليدي مفردات: المظلومية من كربلاء والحسين، وجعلوها إطاراً دائماً للدولة، الموجودة في حالة تهديد دائمة، بحسبهم، وبهذا يمنع أي نقد الداخلي ويعدّ خيانة.
أفرغوا شعر نزار قباني وحافظ، واستخدموهما. حاصروا الفلسفة ونبذوا فلاسفتهم الذين غادروا إيران، وهمشوا العرفان المستقل، وحرفوا دوره واستخدموه لتبرير ولاية الفقيه.
كما أنهم قمعوا الزرادشتية عملياً رغم اعترافهم الرسمي بها، وألغوا البعد الإيراني من مناهج التعليم.
إذن استخدم الملالي رموز الثقافة الإيرانية بعد تحريفها، لكنهم لا يمثلونها. انهم سلطة دينية تفرض نموذجاً إيديولوجياً مغلقاً، وتقصي أي تعبير ثقافي لا يخدم سلطتهم.

أين هو الشعب الإيراني اليوم: يمثل جيل الشباب نحو 70% من السكان، وهؤلاء لا يرون أنفسهم في خطاب الملالي ولا في سياساتهم. إنهم جيل متعلم يبحث عن الحقوق، والحرية الفردية والفن والثقافة المنفتحة. وتناضل النساء الإيرانيات بلا خوف، ونموذجهن مهسا أميني. وهم ليسوا بالضرورة مع “الغرب”، ولكنهم ليسوا مع الملالي بالتأكيد.
هناك انفصال عميق بين الشعب الإيراني والنظام، وأكبر تعبير عن ذلك الانتفاضات المتتالية منذ سنوات، والإيرانيون (في الداخل والخارج) من فلاسفة وكتاب وشعراء وسينمائيين، الذين يكتبون وينتجون الأفلام منذ عقود تعبيراً عن الانفصال العميق بين النظام والثقافة الإيرانية.
ونذكر منهم: عبد الكريم سروش
داريوش شايغان
محمد مجتهد شبستري
علي شريعتي

سينما كيراستامي
مخمالباف
محمد رسول آف
فيروزة خسروفاني
مينا كيشافارز
شيرين تشات رسامة
شعر جيلا مساعد عضوة لجنة تحكيم في جائزة نوبل
ليلى فولادفند
سيمين بهبهائي
الملالي لا يمثلون الثقافة الإيرانية بتنوعاتها وعمقها، بل يقفون فوقها، ويحاولون إخضاعها، ويستغلون بعض رموزها بشكل انتقائي ومؤدلج.
لذلك، حين يُقال “إيران سترد” أو “هكذا تفكر إيران”، علينا أن نسأل:
أي إيران؟
إيران الشعر والنور والحق، أم إيران الصواريخ والحرس الثوري؟
إيران زرادشت وحافظ، أم إيران الخميني وخامنئي؟

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها