المصدر: صوت لبنان
مضيق هرمز: قانونية الرسوم والتأثير على الاقتصاد العالمي؟!!
يُعدّ مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام الدولي المعاصر، حيث تتقاطع عنده اعتبارات القانون الدولي مع توازنات الجغرافيا السياسية ومصالح الاقتصاد العالمي. فالمضيق، الذي يربط الخليج العربي ببحر عُمان، لا يمثّل مجرد ممر مائي عابر، بل يشكّل شريانًا استراتيجيًا لتدفقات الطاقة والتجارة، ما يفرض إخضاعه لإطار قانوني خاص يحدّ من النزعات السيادية المنفردة ويكرّس مبدأ حرية الملاحة. من هذا المنطلق، يخضع المضيق لنظام “المرور العابر” المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والذي يضمن لجميع السفن، التجارية والعسكرية، حق العبور المستمر والسريع دون عرقلة بين مناطق أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة. ويترتب على هذا النظام قيد جوهري على الدول الساحلية، إذ لا يجوز لها تعطيل هذا الحق أو إخضاعه لإجراءات تمس جوهره، بما في ذلك فرض رسوم عبور عامة. فالقانون الدولي يميّز بوضوح بين الرسوم السيادية المحظورة، وبين المقابل المالي المشروع المرتبط بخدمات محددة كالإرشاد أو القطر أو الإنقاذ. وعليه، فإن أي محاولة من إيران أو سلطنة عُمان لفرض ضريبة عبور شاملة على السفن في المضيق ستُعدّ خروجًا عن القواعد المستقرة، وتستدعي اعتراضًا دوليًا واسعًا. ولا ينفصل هذا التقييد القانوني عن الطبيعة الجغرافية للمضيق، إذ إن مياهه لا تقع بالكامل ضمن السيادة الإقليمية لدولة واحدة، بل تتوزع بين إيران وسلطنة عُمان، مع وجود ممرات ملاحية دولية مكرّسة للاستخدام العالمي. هذا الواقع يعزّز من الطابع الدولي للمضيق، ويحدّ من أي إمكانية للسيطرة الأحادية عليه أو إعادة تعريف قواعد المرور فيه بمعزل عن النظام القانوني الدولي.
غير أن الأهمية الحقيقية للمضيق تتجلّى بصورة أوضح عند إسقاط التحليل القانوني على البعد الاقتصادي الكمي. إذ يمر عبر المضيق يوميًا ما بين 20 و22 مليون برميل من النفط، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي. وفي هذا السياق، فإن فرض رسم عبور متواضع بحدود دولارين لكل برميل يترجم إلى كلفة مباشرة تتراوح بين 40 و45 مليون دولار يوميًا، أي ما يفوق 15 مليار دولار سنويًا تُضاف إلى فاتورة الطاقة العالمية. أما في حال رفع الرسم إلى خمسة دولارات للبرميل، فإن الكلفة المباشرة قد تصل إلى حدود 35–40 مليار دولار سنويًا، وهو رقم يعكس فقط الأثر الأولي دون احتساب التداعيات الأوسع.فالأثر الاقتصادي الحقيقي يتضخم عبر آليات السوق، حيث يؤدي فرض الرسوم أو حتى التلويح بها إلى رفع علاوات المخاطر الجيوسياسية، ما قد يدفع أسعار النفط للارتفاع بنحو 5 إلى 10 دولارات للبرميل. ووفق مستويات الاستهلاك العالمي، فإن ذلك يعني زيادة إضافية تتراوح بين 180 و350 مليار دولار سنويًا في فاتورة الطاقة. كما ترتفع تكاليف التأمين البحري على ناقلات النفط في المنطقة بنسبة قد تصل إلى 20–50%، ما يضيف أعباءً مالية جديدة على سلاسل الإمداد العالمية، ويُسهم في تغذية موجات تضخمية عابرة للحدود. وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط قد يرفع التضخم العالمي بنحو 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية، الأمر الذي يضع البنوك المركزية أمام معادلة معقدة بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. وفي هذا السياق، تتباين مواقف الأطراف المعنية بين الخطاب السياسي والقيود الواقعية. فإيران دأبت على استخدام المضيق كورقة ضغط ضمن تفاعلاتها مع القوى الدولية، ملوّحة بإمكانية تقييد الملاحة أو إعادة تنظيمها، إلا أن هذا التلويح بقي في إطار الردع السياسي ولم يتحول إلى سياسة تنفيذية دائمة، إدراكًا للكلفة القانونية والاقتصادية والعسكرية الباهظة. في المقابل، تنتهج سلطنة عُمان سياسة أكثر اتزانًا، تنسجم مع دورها الوسيط في الإقليم، ولا تظهر أي مؤشرات على رغبة فعلية في تعديل النظام القائم أو فرض رسوم عبور.
في المحصلة، تكشف القراءة المتكاملة، قانونيًا واقتصاديًا، أن مضيق هرمز يخضع لنظام دولي راسخ يمنع السيطرة الأحادية ويفرض حرية المرور العابر، وأن أي محاولة لفرض رسوم سيادية عليه لا تصطدم فقط بنصوص القانون الدولي، بل أيضًا بحقائق الاقتصاد العالمي الذي لا يحتمل كلفة اضطراب هذا الممر الحيوي. وبين حدود القانون وضغوط السياسة وحسابات الاقتصاد، تتكرّس حقيقة أساسية مفادها أن استقرار نظام الملاحة في المضيق ليس خيارًا، بل ضرورة دولية تفرضها شبكة مصالح مترابطة تتجاوز قدرة أي طرف منفرد على إعادة تشكيلها.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها