المصدر: صوت لبنان
بيتٌ يطعم وقلبٌ يجمع
ثمّةَ أناسٌ يُولَدون في مكانٍ ويعيشون في مكانٍ آخر، غير أنّ قلوبَهم تسكن في مكانٍ ثالث. كارين تدمري جميّل ليست من هؤلاء. كارين اختارت. اختارت بعينٍ مفتوحة، وقلبٍ واعٍ، وإرادةٍ لا تهادن. وفي هذا الاختيار يكمن كلّ شيء.
وُلِدَت في باريس لأبوَين لبنانيَّين —اب طبيب بنى لنفسه حضوراً في المهجر وأمّ أكاديمية علمت اولادها ان العقل لا يهاجر — حملا معهما إلى المهجر ما لا يُحمَل عادةً في الحقائب: الذاكرة، والجذور، والكرامة. نشأت في أحياء باريس العريقة، وترعرعت في مدارسها الكبرى، وتعلّمت العربيّة في البيت — تلك اللغة التي تسرّبت إليها كما يتسرّب العطر من ثنايا الثوب القديم، ناقصةً في قواعدها، مكتملةً في عاطفتها. وحين تتكلّم كارين اليوم بالعربيّة أمام جمهورها، لا تتكلّم بلغة الأكاديميّين ولا بلسان المذيعين، بل تتكلّم بلغة الأمّهات حين يبكين، ولغة الفقراء حين يشكرون. وفي هذا النقص الظاهر اكتمالٌ خفيٌّ نادر.
درست في الثانويّات الفرنسيّة ثم التحقت بكليّة الطبّ، وتخصّصت في طبّ الأسنان، وتحديداً في إحدى أرقى التخصّصات في باريس، فنشرت أبحاثاً علميّة تُثبت أنّها لم تكتفِ بالنجاح، بل أرادت أن تُضيف. طبيبةٌ بالعلم، إنسانةٌ بالفطرة، أمٌّ لثلاث بناتٍ صغيرات بالقلب كلّه.
كان بإمكانها أن تبقى. أن تُكمل مشوارها الباهر في باريس، بين عاءلتها وعيادتها ومقالاتها ومجتمعها الراقي. لكنّها آثرت أن تتبع أميرها إلى لبنان، لا طاعةً عمياء، بل لأنّ في لبنان شيئاً ينادي من يُحبّه فعلاً. وحين حلّت في أرضٍ تتشقّق، قرّرت أن تكون جزءاً من الترميم لا مجرّد شاهدٍ على الانهيار.
في عام ٢٠١٩، والأزمة تُطبق بأنيابها على الصدور، لم تتفرّج كارين من بعيد. جلست مع صديقاتها حول طاولةٍ بسيطة وقالت: نطعم. كانت الفكرة في بدايتها شبيهةً بـ”مطعم القلوب” الفرنسي restos du cœur — تلك الأيقونة الإنسانيّة التي تحمل الطعام إلى من لا يجدونه. لكنّ كارين لم تتوقّف عند الطعام. رأت الجرح أعمق، فأرادت الدواء الأشمل.
من تلك الطاولة الصغيرة وُلِدت جمعيّة “كلّنا عيلة” — الاسم يقول كلّ شيء. لسنا منظّمةً خيريّة، نحن عائلة. ومن هذا الإيمان بالعائلة الإنسانيّة الواحدة، بنت كارين صرحاً من العطاء: مراكز طبّيّة تُقدّم الرعاية مجّاناً في تخصّصاتٍ شتّى، وبنوك غذاء تصل إلى الأسر في أشدّ ساعاتها هشاشةً، ومتاجر كرامةٍ حيث يأتي الناس ليختاروا ملابسهم بأنفسهم — لأنّ الكرامة في الاختيار — فضلاً عن مراكز تدعم المنتجين والمزارعين كي يصمدوا في أرضهم. خمسة عشر مركزاً تنتشر في أرجاء لبنان كأنّها أوردةٌ تضخّ الحياة في جسدٍ مُنهَك.
وهي في كلّ هذا لا تُدير فحسب، بل تعمل. تجلس في عيادتها بالمركز الصحّي وتعالج المرضى مجّاناً بيديها، تلك اليدان اللتان درستا سنواتٍ طويلة في باريس، ها هما تُداويان في بكفيا من لا يملك ثمن الدواء. وحين تتحدّث كارين أمام الناس، لا تُلقي خطاباً، بل تُعلن اعترافاً. تقف بلهجةٍ تكشف أنّها تعلّمت اللغة العامّة من فرط الحبّ، وبنبرةٍ تكشف أنّ ما تقوله يخرج من مكانٍ أعمق من الفكر — يخرج من الجرح والأمل معاً.
ثلاثيّة اللغات بامتياز — تنتقل بين الفرنسيّة والإنجليزيّة والعربيّة كأنّها تنتقل بين ثلاث مرايا لروحٍ واحدة — غير أنّ أعذب كلامها هو ذاك الذي يخرج بتلعثمٍ متعمَّد، كأنّ العربيّة في فمها ليست قصوراً بل فضيلة: إنّها تتكلّم بها من القلب، لا من الكتاب.
تنتمي كارين إلى تلك الأقليّة النادرة من اللبنانيّين المغتربين الذين أبَوا أن يُقدّموا للعالم وجهاً آخر للبنان سوى الجميل منه. ولبنانها الجميل ليس بلداً من الماضي ولا أسطورةً من الحنين، بل هو مشروعٌ للحاضر تُشيّده يوماً بيوم، مع كلّ رغيفٍ يُوزَّع، وكلّ ضرسٍ يُعالَج، وكلّ قميصٍ يُختار بيدٍ حرّة. إنّها من بين أولئك الذين يؤمنون بلبنان التعدّد والتعايش، ذلك اللبنان الذي تجسّده طرابلس — مدينة العيش المشترك، والحضارات المتراكمة، ومهد الإنسانيّة منذ عشرة آلاف عام.
وضعت كارين حياتها الباريسيّة جانباً — لا نسياناً لها، بل ارتقاءً عنها. جعلت من تضحيتها عطاءً مضاعفاً. إنّها لا تبحث عن ضوء الكاميرات ولا عن مجد المنابر، تبحث فقط عن الوجه الذي يغادر مركزها يحمل شيئاً لم يكن يملكه حين دخل: كرامته.
كلّنا عيلة. ليس شعاراً. هو إيمانٌ عاشته كارين جميّل قبل أن تكتبه.
هذا النصّ وُلِد من إعجاب حقيقيّ بامرأة اختارت، في زمن كثيرون فيه يهجرون، أن تعود.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها