جورج كلاس

الأثنين ١٣ نيسان ٢٠٢٦ - 08:48

المصدر: النهار

مسؤولية المراسل الميداني في صناعة المشهد… بين نقل الواقع وجرمية حرق الأعصاب..!

الوظيفة الاعلامية للمراسل الحربي في ميادين اللحظات الساخنة تنحصر في اتقان فنية االتغطية النقلية المباشرة ، حيث يجب ان يكون وسيطاً أميناً لعيون الناس و أذانهم، ينقل لهم ما يرى ويسمع وما توصل اليه من معلومات خاصة وحصرية، تشكل سبقا مهنيا له صدقيته موثوقيته الخبرية، من دون ان يتجاوز ذلك الى تنصيب نفسه قيِّما على الحدث وماقبله ومابعده ، توصيفا و تحليلا افتراضيا، يزيد من القلق ويؤجج جرمية حرق الأعصاب عندما يسيء استخدام سلطة الكاميرا والميكروفون.
ان التمايز المهني ، بالتخصص والتخصيص والحصرية وتراكم الخبرة ، يوفر للإعلامي الميداني مكانة موصوفة في خلال النزاعات والحروب ، من حيث انه يشكل جزءا من عسكر الساحة اذا كان مراسلا حربياً ، او يكون ممثلا للعدالة، الميدانية في حيادية التغطية وتظهير الحقائق ومتابعة مراحل الاحداث وتطورها متى كان مراسل او مندوب وسيلة اعلامية . من هذا التفريق بين الاعلامي المرافق للجيش والاعلامي المراسل يمكن مقاربة موضوعية ومعايير ومواصفات المراسل الحربي وتقنيات التعبير الواجب اعتمادها في خلال بث رسالته الميدانية المباشرة آخذاً بالاعتبار موجبات الاخلاق الإعلامية وكرامة الضحايا ومشاعر الناس.

بين الاعلامي المرافق للجيش، الذي يشكل جزءاً من كتائبه كعنصر مدمجٍ بالعسكر ، و المراسل الميداني الخاص للوسائل و الوكالات الإعلامية المحلية والاجنبية، هو العلامة الفارقة بين المراسل المحترف الذي يوظف خبراته للناس والمراسل المبتدء والتجريبي الذي يختبر بالناس، فيسيء التفنن بإختراع المصطلحات وتسخير اللفظيات للإيحاء بأنه يجمع بين دور المراسل الناقل للتغطية ودور المحرر المحلِّل والمتنبئ ، وكأنه كاشف الحقائق والقابض على الحدث وما قبله من مسببات ومابعده من تداعيات .
فالتراسل الميداني هو فن إخباري لحظي ساخن وخطر يتطلب حرفية مهنية وخبرات تراكمية يكتسبها المراسل بالتخصص العلمي و الممارسة الاعلامية المباشرة والواسعة في عملية رصد مفاصل الاحداث والتدقيق بها والتحقق من واقعية حدوثها ، قبل بثها المباشر على الهواء ، وإلاّ تحول من عملية تغطية ميدانية الى عملية إستهداف للجمهور او نحراً للأعصاب وقتلا للمعنويات بسبب قلة الاحترافية ، مما يفاقم حالات التوتر والتشويش والتضليل ويجعل الناس ضحايا الاعلام التجريبي الذي يختبر بالناس بدل ان يقدم لهم الخبرة و إضاءات على الاحداث .

ففي وقت الذروة وزمن تسارع الاحداث المتوالية والطارئة ، تبرز بوضوح مسؤولية المراسل الميداني في قدرته على نقل المشاهدين الى ساحة الحدث او نقل الحدث الى الجمهور ، نظراً وسمعاً وتفاعلاً شعوريا من دون أي إسقاطات وتأثيرات من المراسل المدجج والموحي بإنفعاليته وإمعانه بالتحليل والتوقع والاسترسال بالإمساك بالمذياع وتجاوزه المقلق للمدى الزمني الذي يمكن للمستمع المتابع للحدث ان ينصت اليه بتركيز و اهتمام ، والذي لا يتعدى الدقائق الخمس كحد اطول ، بأنه ناقل للخطر أكثر مما هو ناقل للخبر .
ان مسؤولية تقديم تغطية ميدانية مباشرة في اللحظات الخبرية الساخنة ، تقع بالمباشر على المؤسسة الاعلامية التي تعتمد مراسلا خاصا بها او تستعين بمبعوث موفد منها لمهمة محددة او يتبع لوكالة اعلامية .
ومسؤولية المؤسسة لا تخفف من مسؤولية المراسل الميداني التابع لها او تعتمده ظرفياً . فأي خطئ يرتكبه المراسل في الاسترسال والإسهاب والتنبؤ والإكثار من استخدام المصطلحات والتعابيرَ الخاصة بالحدث ، تعرضه هو والمؤسسة الى نفور واسع من قبل المشاهدين ، الذين يطلقون عليه أحكامهم بفورة عصبية تنال من صدقيته وتعرض موقعه للإنتقاد ، وتجعله أشبه بخبير المتفجرات الذي يخطىء مرة واحدة فقط .
فالتجاوزات المهنية ، نقلاً وتغطية واسهاباً بالتحليلات التي يقترفها بعض المراسلين الميدانيين ، في تحولهم من ناقلين للحدث الى معلقين عليه و محلليلن استراتيجيين و مذيعي نشرة ، تظهر خطورتها أكثر عند إستصراحهم( لشاهد عيان ) والاعتماد على أقواله ومسموعاته ومشاهداته ورواياته ، وكأنها حقائق مصدرية مؤكدة ، بمعزل ما اذا كان الشاهد العيان المستعان به لإغناء مضمون المشهد ، هو شاهد بالصدفة او شاهِد مأجور أو شاهد للإدلاء بأقوال غب الطلب ، تم إخراجها وفق سيناريو معين .
في زمن الحرب على لبنان يبرز الدور التأثيري لوسائل الإعلام في اعداد المراسلين الميدانيين وتأهيلهم لأن يكونوا أمناء على نقل مشهديات الميدان إلى المشاهد ، واحترافية نقل المشاهد إلى ارض الواقع ليكون شريكاً في المشاهدة والتفاعل مع الاحداث وتمكينه من القدرة على إعمال عقله بفهم الاحداث وتحليلها وفق منطقه الخاص، كون المشاهد هو شريك في عملية التفاعل الإعلامي وليس ضحية للمراسل غير الكفوء بأن يكون اميناً على النقل بحيادية وموضوعية ذات صدقية عالية .

جورج كلّاس
وزير سابق

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها