منى فياض

الأثنين ١٣ نيسان ٢٠٢٦ - 09:07

المصدر: صوت لبنان

في غرفة الانتظار

زمن هذه الحرب المفروضة علينا، يرمي بنا للعيش في حالة انتظار. يساورنا شعور دائم بأن الحياة “معلّقة”، وكأننا لا نعيش فعلياً، بل ننتظر أن تبدأ الحياة لاحقاً! لكن متى! ربما بعد حدث ما، بعد انفراج ما، بعد وضوح ما… لكن كل ذلك لا يأتي (على أمل ان تنجح المفاوضات المنوي بدأها في واشنطن).
هذه الحالة لها آثار عميقة:
على التخطيط: يصبح من الصعب التفكير على المدى الطويل، لأن المستقبل يبدو ضبابياً أو خارج السيطرة. حتى القرارات البسيطة (عمل، دراسة، سفر) تتحول إلى عبء.
على الحياة اليومية: يتسلل نوع من التجميد أو التأجيل المستمر- نؤجل الفرح، والمشاريع، وحتى الاهتمام بأنفسنا، فنحن “ننتظر الوقت المناسب” لفعل كل ذلك.
على الصحة النفسية: يتولد قلق مزمن، وإرهاق داخلي، وأحياناً شعور خفي باللاجدوى أو فقدان المعنى. إنه ليس اكتئاباً واضحاً دائماً، بل استنزاف بطيء.
أن المشكلة ليست في أي منا كفرد، بل في الزمن غير المستقر المفروض علينا. نمط العيش هذا. لكن في الوقت نفسه، إذا استمر الإنسان في العيش فقط في وضعية الانتظار، يبدأ هذا الوضع بابتلاعه.
ولهذا نحاول التفكير في مخرج – ليس مخرجاً كبيراً أو مثالياً، بل مجرد مساحات صغيرة من السيطرة داخل اللايقين.

عنوان العيش في “غرفة الانتظار” ليس مجرّد استعارة شعرية، إنه توصيف للحالة الوجودية التي يعيشها الفرد حين يُسلب منه الزمن كأفق مفتوح، ويُختزل إلى حاضر معلّق بين ماضٍ لم يُحسم ومستقبل لا يمكن الإمساك به. في هذه الحالة، لا يعود الزمن نقطة ارتكاز يُبنى عليها، بل يتحوّل إلى دائرة من الترقّب، حيث كل يوم يشبه الذي قبله، وكل قرار مؤجّل إلى حين “اتضاح الصورة” التي لا تتضح.
في هذا السياق، تتعرّض الإنتاجية لضربات عميقة ولكن غير مرئية دائماً. فالإنتاجية لا تقوم فقط على الجهد أو الكفاءة، بل على افتراض ضمني بأن المستقبل قابل للتوقّع ولو نسبياً، وأن ما يُبذل اليوم سيجد مكانا له غداً. حين ينهار هذا الافتراض، يدخل الفرد في حالة من “العمل المعلّق”: يبدأ بشيء ولا يُكمله، يخطّط ولا ينفّذ، أو ينفّذ بأدنى حدّ ممكن من الالتزام. ليس لأن الإرادة ضعيفة، بل لأن المعنى نفسه يصبح هشّاً. ما جدوى الاستثمار في مشروع قد ينهار غداً؟ ما جدوى الالتزام بمسار مهني في بيئة قد تُعاد صياغتها بالكامل في أي لحظة؟
هنا تظهر مفارقة قاسية: الفرد يبدو من الخارج متقاعساً أو غير منتج، بينما هو في الداخل يعيش “استنزافاً معرفياً وعاطفياً دائماً”. فالعقل، بدل أن يركّز على مهمة محدّدة، يبقى في حالة تأهّب مستمر، يراقب المتغيّرات، يفسّر الإشارات، ويعيد حساباته بشكل لا نهائي. هذا النمط من “اليقظة القلقة” يستهلك الطاقة الذهنية التي تُفترض أن تُوجّه نحو العمل والإبداع. النتيجة ليست فقط انخفاضاً في الإنتاجية، بل تحوّلها إلى فعل ثقيل، متقطّع، ومصحوب بإحساس دائم بعدم الكفاية.
أما على مستوى الصحة النفسية، فإن العيش في غرفة الانتظار يولّد شكلاً خاصاً من القلق: قلق بلا موضوع محدّد. ليس خوفاً من حدث بعينه، بل من “إمكانية أي شيء”، هذا النوع من القلق أكثر إنهاكاً، لأنه لا يسمح بالتفريغ أو المواجهة المباشرة، لأن الجسم يصرف طاقته على خفض مستوى الكورتيزول في الدم حفاظاً على حد أدني من الصحة النفسية.. ويؤثر كل ذلك على تفاصيل الحياة اليومية: صعوبة في النوم، تشتّت في التركيز، تقلبات في المزاج، وإحساس دائم بأنك متأخّر عن حياتك، حتى عندما لا توجد معايير واضحة لما يعنيه “التقدّم”.
ومع الوقت، قد يتطوّر هذا القلق إلى ما يشبه التبلّد الوجداني: آلية دفاعية غير واعية يخفّف بها الفرد من وطأة الانتظار. فيؤجّل الفرح كما يؤجّل الألم، ويقلّ انخراطه العاطفي فيما يحدث حوله. لكن هذا “التكيّف” له ثمنه: إذ يُفقد الحياة كثافتها ومعناها، ويحوّلها إلى سلسلة من الأيام التي تُعاش بالحد الأدنى من الإحساس.
يمكن قراءة هذه الحالة في ضوء ما أشار إليه ميشال فوكو حول المجتمعات التي تُنتج أنماطًا من الضبط غير المباشر. فالفرد هنا لا يُقيَّد بقوة خارجية واضحة، بل يُحتجز داخل حالة من اللايقين الدائم، تجعله يراقب نفسه، يؤجّل قراراته، ويعيد ضبط سلوكه باستمرار. إنها حالة “انتظار مُنظَّم”، حيث يصبح تعليق الحياة ذاته أداة للسيطرة: لا حاجة لمنعك من الفعل، يكفي أن يُسلب منك أفق الفعل.
في المحصلة، العيش في غرفة الانتظار ليس حياداً زمنياً، بل هو شكل من أشكال الاستنزاف الصامت. إنه يفتّت العلاقة بين الجهد والنتيجة، بين الحاضر والمستقبل، وبين الفعل ومعناه. وفي هذا التفكك، لا يخسر الفرد فقط إنتاجيته، بل يخسر تدريجياً إحساسه بأنه يعيش حياة يمكن أن تُبنى، لا مجرد وقت يُستهلك بانتظار ما قد يأتي… أو لا يأتي.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها