المصدر: صوت لبنان
ساقية الجنزير ليست حادثة… بل عدالة مكسورة
قد لا يكون ممكنًا لمن يعيش في هذا البلد أن يكتب ببرودة كاملة. نحن جزء من هذا القلق، من هذا التوتر، ومن هذا الخوف من الانزلاق. لكن ربما لهذا السبب تحديداً، يصبح واجباً أن نحاول فهم ما يجري، لا فقط أن ننفعل به.
لم تكن حادثة ساقية الجنزير مجرد إشكال أمني عابر. ما انفجر في شوارع بيروت لم يكن لحظة غضب عفوية، بل تعبيراً مكثّفاً عن شعور متراكم: أن الدولة، حين تقرر أن تكون قوية، لا تختار الوقت ولا المكان ولا الهدف بشكل متساوٍ.
في بلدٍ يُفترض أن يحتكم إلى القانون، اصبحت المشكلة تتخطى سؤال وجود السلطة من عدمه، انها تتعلق في كيفية ممارستها للسلطة عندما يتسنى لها ذلك . فالقانون الذي يُطبَّق بانتقائية، يفقد معناه، ويتحوّل من أداة عدالة إلى أداة استفزاز.
ما يثير الغضب ليس أن الدولة نفّذت إجراءً قضائياً، بل أن هذا التنفيذ جاء في سياق يعرفه اللبنانيون جيداً:
سياق تُظهر فيه الدولة شدّتها في أماكن، وتغيب أو تتراجع في أماكن أخرى، وبواسطة اشخاص لديهم سوابق استفزاز طائفي.
في هذا السياق يشعر المواطن أن القانون ليس مرجعية عامة، بل ممارسة غير متكافئة.
حين يرى الناس أن ملفات حساسة- مرتبطة بالسلاح أو بالنفوذ- تُدار بليونة، بينما تُنفَّذ إجراءات أخرى بحدّة، فإن رد الفعل لا يكون قانونياً فقط، بل نفسياً وسياسياً. يتكوّن شعور بأن هناك ميزانين: ميزان لأصحاب النفوذ، وميزان للآخرين.
في هذا المناخ، لا تعود أي عملية أمنية مجرد إجراء. تصبح رسالة، حتى لو لم يُقصد منها ذلك. وتُقرأ، بالضرورة، ضمن سياق أوسع من فقدان الثقة.
وهنا تكمن خطورة ما جرى.
الاحتقان الذي ظهر ليس طارئا؛ انه نتيجة تراكم طويل من الإحساس بعدم المساواة أمام الدولة. وحين يُضاف إلى ذلك أسلوب ميداني يُنظر إليه على أنه مهين أو ميليشيوي، فإن الشرارة تصبح شبه حتمية.
المشكلة ليست في منطقة بعينها، ولا في طائفة دون أخرى. المشكلة في أن الدولة لم تنجح، حتى الآن، في إقناع مواطنيها بأنها تقف على مسافة واحدة منهم. وعندما تغيب هذه القناعة، يتحول أي احتكاك إلى اختبار، وأي خطأ إلى دليل، وأي حادثة إلى أزمة.
في بلد يعيش أصلاً صراعاً مفتوحاً حول السيادة ودور السلاح خارج مؤسسات الدولة- كما يظهر في العلاقة المتوترة بين الدولة وحزب الله- تصبح مسألة العدالة أكثر حساسية. لأن أي تفاوت في تطبيق القانون لا يُقرأ فقط كخلل إداري، بل كاختلال في ميزان القوى نفسه، المرتبط أيضاً بتوازنات إقليمية أوسع مع إيران.
لهذا، لم تكن ردود الفعل على ما جرى مبالغاً فيها كما قد يظن البعض. كانت، في جانب كبير منها، تعبيراً عن خوف أعمق: أن تتحول الدولة من مرجعية جامعة إلى طرف يُنظر إليه على أنه غير عادل في ممارسته للسلطة.
لا أحد يطالب بدولة ضعيفة.
لكن الدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على تنفيذ الإجراءات، بل بقدرتها على تنفيذها بعدالة وإنصاف.
فالقوة بلا عدالة لا تفرض الهيبة. بل هي، في نظر الناس، شكل آخر من أشكال الانحياز.
لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى استعادة سلطة الدولة، بل إلى استعادة إنصافها.
والإنصاف يبدأ من مبدأ بسيط: أن يُطبَّق القانون نفسه، بالطريقة نفسها، على الجميع.
بدون ذلك، لن تكون حادثة ساقية الجنزير الأخيرة.
بل مجرد واحدة من سلسلة حوادث، ستتكرر، ليس لأنها حتمية، بل لأن أسبابها لم تُعالج بعد.
ما حصل يذكّر، بشكل غير مباشر، بمناخ ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية، لكن مع فارق مهم:
أن اليوم لا أحد يريد حرباً، لكن هناك ديناميكيات قد تقود إليها بدون قرار واضح. إن لبنان يقف اليوم على حافة نمط جديد من الانفجار: ليست حرباً شاملة… بل تفكك تدريجي قابل للاشتعال في أي لحظة.
لبنان لا يعيش فقط صراعاً على السلاح… بل يعيش خطر أن يتحول كل تفصيل يومي إلى ساحة لهذا الصراع.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها