صحة
الأربعاء ٦ أيار ٢٠٢٦ - 11:44

المصدر: القبس

«الفضفضة».. مفتاح الصحة النفسية والجسدية

في زمنٍ أصبح فيه الحديث عن المشاعر أكثر شيوعاً، والبوح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، يظلّ الصمت، أحياناً، العنصر الأكثر تأثيراً في علاقاتنا الإنسانية. فبين ما نُفصح عنه وما نحتفظ به لأنفسنا، تتشكّل ملامح دقيقة قد تعزّز متانة العلاقة أو تكشف هشاشتها، من دون أن ننتبه.

انطلاقاً من هذا الطرح، تقدّم أستاذة علم النفس السلوكي في جامعة هارفارد، ليزلي جون، قراءة مختلفة لفهم التواصل الإنساني، عبر ما تصفه بـ«قرارات الفضفضة»، أي ما نختار مشاركته مع الآخرين، وما نُبقيه طيّ الكتمان، حتى مع أقرب الناس إلينا.

وتوضح جون هذه الفكرة بمثال شخصي، قائلة إنها تستهل يومها بكلمات رقيقة تُعبّر فيها لزوجها عن محبتها، لكنها لا تخبره بأنها لم تنم جيداً، وأن قلة النوم تجعلها أكثر عصبية وحساسية وعرضة للبكاء والانفعال. وتضيف أن مشاركة هذه التفاصيل البسيطة، ربما كانت ستمنحه فرصة لفهم حالتها والتعامل معها بمزيد من اللطف والاحتواء، بدل خسارة لحظة دعم كان يمكن أن تعزز العلاقة.

وترى جون أن التعبير الصريح عن المشاعر ليس مجرد عادة اجتماعية، بل هي عنصر أساسي في بناء الروابط الإنسانية. فالبشر، بطبيعتهم، يحتاجون إلى العلاقات من أجل الاستقرار النفسي والعاطفي، ويُعد الحديث عن المشاعر وسيلة لإظهار الثقة، وكأن الشخص يقول للطرف الآخر ضمنياً: «أثق بك، وأتوقع منك ألا تخذلني».

لكن ليزلي جون تميّز بوضوح بين «الفضفضة» الصحية والإفراط في مشاركة التفاصيل الشخصية. فالتحدّث المستمر عن المشكلات أو الإغراق في الشكوى لا يُعدّ انفتاحاً حقيقياً، بل قد يتحوّل إلى عبء عاطفي يُرهق الآخرين ويدفعهم إلى النفور. في المقابل، يُنظر إلى «الفضفضة» الصحية – خصوصاً حين يتناول المخاوف أو الندم أو المشاعر الصعبة – بوصفه مؤشراً على الصدق وعمق التجربة العاطفية.

◄ فوائد نفسية وجسدية

لا يقتصر أثر البوح و«الفضفضة» على تحسين العلاقات، بل يمتد أيضاً إلى الصحة الجسدية والنفسية. وتشير جون إلى أن التعبير عن المشاعر بحرية يرتبط أيضاً بعدد من الفوائد، أبرزها:

• تعزيز كفاءة الجهاز المناعي.

• تقليل أعراض الاكتئاب والتوتر.

• رفع الشعور العام بالرفاهية والرضا النفسي.

وتدعم هذه النتائج دراسات، أجرتها مؤسسات أكاديمية، مثل جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وجامعة كارنيجي ميلون، والتي أظهرت أن الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية قوية يملكون استجابة مناعية أفضل ومستويات أقل من الالتهابات، في حين ترتبط الوحدة المزمنة بزيادة قابلية الإصابة بالأمراض.

كما كشفت أبحاث تناولت الرضا الزوجي أن السعادة في العلاقات ترتبط بشكل وثيق بشعور كل طرف بأن شريكه يستمع إليه ويفهمه، فكلما زادت مساحة الصراحة والانفتاح، ارتفع مستوى الشعور بالأمان والتفاهم.

◄ الكتمان قد يكلّفنا الكثير

في المقابل، يحرم كتمان المشاعر أصحابَه من فرص بناء علاقات أعمق، سواء في الصداقة أو العمل أو الارتباط العاطفي. فكثيرون يتجنبون الإفصاح خوفاً من الرفض أو الإحراج، فيبالغون في تحليل ردود أفعال الآخرين أو يختارون الصمت حمايةً لأنفسهم، لكن هذا الحذر قد يأتي على حساب العلاقة نفسها.

وتقول جون إن الناس يركزون بشدة على الإحراج الناتج عن قول شيء شخصي أو محرج، لكنهم غالباً لا ينتبهون إلى الفرص التي تضيع عندما يختارون عدم البوح أصلًا.

◄ الكتابة أيضاً وسيلة فعالة

ولا يقتصر التعبير الصحي عن المشاعر على الحديث مع الآخرين، إذ تشير جون إلى أن تدوين المشاعر في مذكرات أو كتابتها بصدق قد يحقق فوائد مشابهة. فالتعبير بالكلمات يساعد على تنشيط المناطق الأكثر منطقية في الدماغ، ما يمنح الشخص قدرة أكبر على فهم مشاعره وتنظيمها والتعامل معها بهدوء.

وفي هذا السياق، أظهرت أبحاث عالم النفس، جيمس بينيباكر، أن الأشخاص الذين خصصوا دقائق معدودة يومياً للكتابة عن تجاربهم المؤلمة لاحظوا تحسناً في المزاج وبعض مؤشرات المناعة.

◄ فوائد «الفضفضة»

وتشجع جون على التدرج في «الفضفضة»، مع حسن اختيار الأشخاص، الذين نشاركهم خصوصياتنا، مشيرة إلى أن أبرز الفوائد تشمل:

1 – بناء صداقات أكثر قوة وعمقاً.

2 – تعزيز التفاهم داخل العلاقات الزوجية.

3 – تسهيل بناء علاقات اجتماعية قائمة على الصراحة والثقة المتبادلة.

4 – تهدئة العقل وخفض التوتر عبر التعبير اللفظي عن المشاعر.

5 – تعزيز جودة التواصل، لا سيما عندما تُقابَل «الفضفضة» باستماعٍ فعّال وطرحِ أسئلةٍ متابعة.