المصدر: Independent عربية
“طب واتساب”… الحرب تغير معادلة الاستشارات الصحية
فرضت الحرب تغييرات واضحة في سلوكات المواطنين ومنها الاستشارات الطبية التي يلجأون إليها، حتى إن الرعاية الصحية بصورة عامة استمرت ببدائل تراعي الظروف الاستثنائية.
تنعكس الحرب على مختلف جوانب الحياة وتؤثر فيها سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حتى إن سلوكات المرضى بذاتها تتغير ومعها متابعتهم للرعاية الطبية التي يلقونها والتزامهم بها. فظروف الحرب والنزوح ألقت بثقلها على القطاع الصحي في لبنان أيضاً من نواحٍ عدة، وأحدثت تغييرات مهمة فيه وفي سلوكات المرضى على مستوى الاستشارة الطبية والمتابعة للرعاية الصحية التي يلقونها. قد لا يكون من المتوقع أن يحصل تغيير في هذا المجال، إلا أن عوامل عدة في الحرب تسهم في ذلك مع زيادة الضغط على المواطنين، ككثير من تفاصيل الحياة التي تتأثر سلباً بتداعيات الحرب والتغييرات التي تحصل في حياة المرضى والأطباء أيضاً. لذلك، بات ملحوظاً أن الاستشارات والخدمات الطبية شهدت خلال الحرب الحالية، كما في مختلف الحروب، تغييرات جذرية تستحق تسليط الضوء عليها. وإذا كان “طب واتساب” من خصوصيات المجتمع اللبناني في الأوقات العادية والسلم، فكيف بالأحرى في ظروف الحرب؟
عوامل أسهمت في التغيير
تداعيات عدة نتجت من ظروف الحرب والنزوح وتركت أثرها في حياة المواطنين، بوجود أكثر من مليون مواطن نزحوا من مناطقهم ومنازلهم بصورة سريعة ومفاجئة من دون حاجاتهم الأساس حتى. هذه الظروف فرضت تغييرات كثيرة على حياتهم، سواء كانوا ممن توجهوا إلى مراكز الإيواء أو ممن انتقلوا إلى مناطق أخرى في منازل بعيدة من بلداتهم. وهذا الانتقال فرض ظروفاً مختلفة بحيث أصبحت المتابعة الصحية الروتينية، والاستشارات الطبية والمعاينات في عيادات أطبائهم عبئاً عليهم، إذا ما أخذنا في الاعتبار صعوبة التنقل من منطقة إلى أخرى وكلف ذلك، وكل الأعباء المادية المرتبطة بالمعاينات أيضاً والتي تضاف إلى تلك التي حملتهم إياها الحرب. في مثل هذه الأوقات، وخصوصاً خلال فترات التوتر والقصف وعند زيادة معدلات الخطر، من الطبيعي أن يلجأ المواطن إلى بديل لتلقي الخدمات الصحية التي يحتاج إليها أو للحصول على استشارة من طبيب.
يؤكد نقيب الأطباء في لبنان الدكتور إلياس شلالا ضمن حديثه أن تغييراً بارزاً في سلوكات المواطنين على مستوى الاستشارات الطبية سُجل في الحرب بالفعل، فإذا كانت ثقافة الاستشارة الطبية عبر “واتساب” راسخة أصلاً لدى المواطن اللبناني، فقد سُجل ارتفاع يصفه بـ”الدراماتيكي” في ظاهرة الاستشارات الطبية عبر “واتساب” خلال الحرب وبسبب ظروف النزوح. فالمريض اللبناني يستشير الطبيب أصلاً عبر الهاتف ومن خلال تطبيق “واتساب”، لكن النزوح فرض زيادة كبرى في معدلات هذا النوع من الاستشارات بسبب هم التنقل لدى النازحين من مناطق بعيدة أو جديدة بالنسبة إليهم، وبسبب الأعباء المادية.
يجد شلالا صعوبة في التصدي لهذه الظاهرة خلال المرحلة الحالية الدقيقة، نظراً إلى الظروف التي يمر بها المواطنون، لكن يؤكد أنها “غير موجودة إلا في لبنان، فحتى في ظروف مماثلة تكون هناك منصات للاستشارات الطبية تُقدم فيها الخدمة الصحية وفق أصول معينة، وبطريقة مدروسة وبمواعيد محددة بما لا يُفسح المجال لحصول أخطاء طبية مثلما قد يحصل في حال الفوضى والتواصل بصورة عشوائية مع الأطباء في أي وقت كان. وتكون الاستشارات الطبية عبر المنصات لقاء رسم مادي للمعاينة أو المتابعة من بعد، ويكون هناك أطباء اختصاصيون مسجلون فيها، ويمكن لمن يرغب في الحصول على استشارة استخدامها وطرح أسئلته، لكن مثل هذه الخدمات عبر المنصات الرقمية لا تزال محدودة جداً في لبنان والمواطنون اللبنانيون لم يعتادوا على استخدامها”، بحسب شلالا، “حتى إن الاستشارات من بُعد محدودة، ولا يعتمدها المواطنون بكثرة”.
في المقابل، هناك تركيز على الاستشارات عبر “واتساب” لاعتبارها وسيلة بسيطة وعملية وغير مكلفة أبداً وتسمح بالحصول على الخدمة المطلوبة بأبسط ما يمكن، بغض النظر عما إذا كان احتمال الخطأ وارداً. وقال نقيب الأطباء إن “النقابة حذرت مما قد ينتج من الاستشارات الطبية عبر ’واتساب‘ من أخطاء طبية ومشكلات، بما أن الطبيب قد لا يكون في حال تركيز كامل عند استشارته بهذه الطريقة، ولا يكون ملف المريض أمامه كما في المعاينة داخل العيادة. وحذرنا الأطباء ودعيناهم إلى تجنب الإجابة بهذه الطريقة، فيما لا يتقبل المريض اللبناني فكرة ألا يجيبه الطبيب، كما أن قسماً من الأطباء يفضلون مواصلة تلبية استشارات مرضاهم بهذه الطريقة. وبقيت هذه العادة متجذرة في المجتمع اللبناني، وهي ظاهرة غير موجودة داخل أي دولة في العالم، وهي غير مقبولة أبداً ولا يمكن التغاضي عنها، أو الاستمرار بذلك دون معالجة. لكن في ظروف الحرب، لا يمكن إلا تفهم ظروف المواطنين، خصوصاً النازحين منهم، والتغاضي عن التدقيق فيها أو معالجة الوضع”.
تراجع ملحوظ في المتابعة الصحية
شهد الأطباء في لبنان بالفعل تغييراً واضحاً على مستوى الاستشارات الطبية وسلوكات المرضى خلال الحرب. وهذا ما تُظهره المتابعة الطبية داخل العيادات وقد سُجل تراجع فيها، وفق انطباع عام للأطباء، وأكد ذلك رئيس الجمعية العالمية للصحة الجنسية والإنجابية الدكتور فيصل القاق. ويأتي هذا الواقع مطابقاً لنتائج دراسات عالمية وأخرى أجريت في لبنان حول المتابعة الصحية في ظل الحروب والأزمات. فعلى سبيل المثال، ثبت في دراسة أجريت داخل بيروت حول أولويات النساء في الأزمات والحرب واهتمامهن بالصحة، أن هم المرأة الأول في الحرب هو العائلة، ثم الجوانب الاقتصادية والأمنية، وتأتي صحتها في أسفل لائحة اهتماماتها، حتى إنه في ظل جائحة كورونا ظهر تراجع ملحوظ في الاهتمام بالشؤون الصحية وفي الكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، والمتابعة الروتينية للصحة النسائية. وعلى رغم أنه لم تسجل زيادة في معدلات السرطان آنذاك، كانت هناك توقعات بأن تحصل زيادة لاحقة فيها وبأن يحصل تراجع في مستويات الكشف الدقيق لهذا النوع من الأمراض.
مما لا شك فيه أن هذا التغيير في الحروب والأزمات لا يحصل داخل لبنان فحسب، بل على مستوى العالم في ظروف مماثلة. وبحسب القاق، يؤكد الواقع أن “الفرد يميل إلى تأجيل المتابعة الروتينية والاستشارات الطبية التي تتعلق بحالات غير طارئة، ويبقى التركيز على تلك الطارئة بسبب الضغوط الأمنية والاقتصادية وظروف الحرب. وهناك تراجع في المتابعة الطبية بصورة عامة، وفي زيارات الأطباء للمعاينة، فتقتصر المتابعة في العيادات عادة على الحالات الباردة غير الطارئة، مما يبرر هذا التراجع في المعاينات العيادية بما أن الحالات الطارئة تقتضي التوجه مباشرة إلى قسم الطوارئ داخل المستشفى”.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها