المصدر: صوت لبنان
اللبنانيون يريدون السلام… لكن هل يقبلون التطبيع؟
في لبنان، يكفي أن تذكر كلمة “التطبيع” حتى تنقسم الآراء فوراً.
بعض اللبنانيين يقولون: “أكيد بدنا سلام… تعبنا من الحرب”.
آخرون يرفضون الفكرة بالكامل: “لا سلام ولا تطبيع مع إسرائيل”.
وهناك من يعتبر أن الاثنين يعنيان الشيء نفسه أساساً.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل يعرف اللبنانيون فعلاً الفرق بين “السلام” و”التطبيع”؟
في الشارع اللبناني، غالباً ما تختلط المفاهيم. البعض يعتقد أن أي حديث عن وقف الحرب يعني تلقائياً فتح الحدود والسفر إلى اسرائيل، بينما يرى آخرون أن مجرد التفاوض السياسي يُعتبر “تطبيعاً”. وبين هذا وذاك، يتحول النقاش إلى سجال عاطفي أكثر منه نقاشاً مبنياً على فهم سياسي أو قانوني واضح.
الواقع أن “السلام” و”التطبيع” ليسا المفهوم نفسه، حتى وإن التقيا أحياناً في بعض المراحل السياسية.
فالسلام، بالمعنى السياسي، يعني إنهاء حالة الحرب أو الصراع العسكري بين دولتين، عبر اتفاق يحدد الأمن والحدود وآليات منع التصعيد.
أما التطبيع، فهو مرحلة أوسع بكثير، تتعلق بتحويل العلاقة إلى علاقة “طبيعية”: تبادل سفراء، تعاون اقتصادي، سياحة، تجارة، رحلات جوية، وتواصل بين الشعوب، وليس فقط بين الحكومات.
وبالإضافة إلى التطبيع السياسي والدبلوماسي والأمني والعسكري والاقتصادي والتجاري، تراهن إسرائيل على أشكال أخرى من التطبيع أولها الثقافي والفني والرياضي عبر المؤتمرات والمحافل الثقافية والأدبية والرياضية.
وقد ظهر مصطلح “التطبيع” بحمولته السياسية بعد توقيع مصر اتفاقية “كامب ديفيد للسلام” مع إسرائيل سنة 1979، التي نصّت على أن يقيم الطرفان فيما بينهما علاقات طبيعية كالتي تقوم بين الدول في وقت السلم.
بمعنى آخر، قد يوجد سلام من دون تطبيع كامل.
وهذا ما يصفه كثيرون بـ”السلام البارد”، كما في حالتي مصر والأردن، حيث توجد معاهدات سلام وعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكن جزءاً كبيراً من الرأي العام لا يزال يرفض أي علاقة شعبية أو ثقافية معها.
في المقابل، يرى مؤيدو التطبيع أن العلاقات الطبيعية قد تفتح أبواباً اقتصادية وسياحية واستثمارية، بينما يعتبر المعارضون أن التطبيع يتجاوز مجرد وقف الحرب، ويعني قبولاً سياسياً وأخلاقياً بإسرائيل رغم تاريخ الصراع والاحتلال والحروب في لبنان.
وعندما تنزل إلى الشارع اللبناني وتسأل الناس، تكتشف أن الآراء ليست فقط منقسمة، بل أحياناً متناقضة حتى داخل الشخص نفسه.
أحد الشبان يقول: “أنا مع السلام… ما بقى بدنا حرب، بس ضد التطبيع. ما بدي تصير العلاقة طبيعية وكأنو ما صار شي.”
وآخر يعتبر أن “ما في فرق أساساً… إذا صار سلام رح يصير في تطبيع تلقائياً”.
أحياناً يتعامل اللبناني مع الملف وكأنه يفهم كل التفاصيل السياسية والقانونية، بينما الحقيقة أن كثيراً من المفاهيم تُستخدم بحسب الموقف العاطفي أو السياسي، لا بحسب معناها الحقيقي.
حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر هذا الالتباس بوضوح. فالكثير من اللبنانيين يكتبون أنهم “مع السلام لكن ضد التطبيع”، فيما يخلط آخرون بين “اتفاق هدنة”، “معاهدة سلام”، و”تطبيع كامل.”
لبنان أساساً لا يملك معاهدة سلام مع إسرائيل حتى اليوم، بل اتفاق هدنة يعود إلى عام 1949، فيما بقيت العلاقات في حالة عداء وصراع مفتوح لعقود. كما أن القانون اللبناني يجرّم أي تواصل مباشر مع إسرائيل في معظم الحالات.
ورغم أن الحديث عن “السلام” أو “التطبيع” يعود إلى الواجهة كل فترة، خصوصاً بعد الحروب أو المفاوضات غير المباشرة، إلا أن الشعب اللبناني لا يزال منقسماً بشدة، بين من يرى أن الأولوية هي إنهاء الحروب، ومن يعتبر أن أي علاقة طبيعية مع إسرائيل مرفوضة مهما كانت الظروف.
وفي بلدٍ لا تنتهي فيه الحروب، يبقى النقاش حول السلام والتطبيع أكثر من مجرد موقف سياسي. إنه نقاش يرتبط بالتاريخ والهوية.
وبين التأييد والرفض، يبدو أن اللبنانيين لا يختلفون فقط على الموقف، بل أيضاً على معنى المصطلحات نفسها، في قضية لا تزال من أكثر القضايا انقساماً في لبنان.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها