سعد شعنين

الأحد ٢٤ أيار ٢٠٢٦ - 13:03

المصدر: Mtv

لبنان يتغيّر: من ساحات المحاور إلى المسار السيادي

تعيش المنطقة على إيقاع احتمال هدنة سياسية وأمنية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران تمتدّ لستين يوماً، عنوانها تخفيف التوتر ومنع الانفجار الكبير ريثما تتضح صورة المفاوضات الأوسع المرتبطة بالملف النووي الإيراني والعقوبات والأمن الإقليمي.

لكن وسط هذا المشهد المعقّد، يحاول لبنان أن يلتقط لحظة التحوّل الإقليمي ليكرّس معادلة مختلفة: فصل مساره السيادي والتفاوضي عن باقي مسارات المنطقة، وعدم ربط مستقبله بأي تسوية إيرانية – أميركية أو بأي اشتباك إقليمي مفتوح.
فالسلطة اللبنانية تدرك أن السنوات الماضية أثبتت أن ربط لبنان بمحاور الخارج كلّفه أثماناً سياسية واقتصادية وأمنية هائلة. لذلك، تبدو الدولة اليوم أمام محاولة جدية للاستفادة من المناخ الدولي الحالي لتأكيد أن لبنان يريد التفاوض باسمه، حماية حدوده باسمه، وبناء استقراره انطلاقاً من مصلحته الوطنية لا من حسابات الآخرين.
ومن هنا تبرز أهمية المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية برعاية أميركية، والتي تحاول بيروت التعامل معها باعتبارها مساراً لبنانياً سيادياً مرتبطاً بحماية الحدود وتثبيت الاستقرار ومنع الحرب، لا جزءاً من بازار التفاوض الإقليمي بين واشنطن وطهران.
هذا التحوّل، وإن كان لا يزال حذراً، يعكس إدراكاً لبنانياً متزايداً بأن المرحلة المقبلة في المنطقة ستقوم على إعادة رسم خرائط النفوذ وتحديد الأحجام الجديدة، وأن أي دولة لا تثبّت موقعها بنفسها ستتحوّل مجدداً إلى ساحة مستباحة.
واشنطن من جهتها تبدو داعمة لفكرة تثبيت الاستقرار اللبناني بمعزل عن تعقيدات الملفات الأخرى، لأنها تعتبر أن تهدئة الجبهة الجنوبية تشكل جزءاً أساسياً من أي ترتيب أمني شرق أوسطي جديد. كما أن المجتمع الدولي والخليجي يربطان بوضوح بين دعم لبنان وبين قدرته على تثبيت سيادة الدولة وإبعاد نفسه عن سياسة المحاور.
أما إيران، المنشغلة اليوم بأولوية تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة وتجنّب المواجهة المباشرة، فتبدو أقل اندفاعاً نحو التصعيد الإقليمي، ما يفتح نافذة أمام لبنان لمحاولة إعادة تموضعه السياسي والأمني.
وفي المقابل، تبقى إسرائيل تراقب بحذر هذا المسار، وتحاول استثمار الضغط العسكري والسياسي لتحقيق مكاسب أمنية طويلة الأمد. فحتى في ظل أي هدنة أميركية – إيرانية محتملة، لا يبدو أن تل أبيب ستوقف عملياتها الأمنية والعسكرية ضد ما تعتبره تهديداً مباشراً من “حزب الله” داخل لبنان، سواء عبر الضربات الموضعية أو الاستهدافات المرتبطة بالسلاح والبنية العسكرية. بمعنى آخر، قد تهدأ المنطقة سياسياً، لكن الجنوب اللبناني سيبقى تحت مجهر النار المنضبطة والرسائل الأمنية المتبادلة.
وهو ما يعني أن لبنان سيكون أمام مرحلة دقيقة عنوانها منع الانزلاق إلى الحرب الشاملة، وفي الوقت نفسه محاولة تثبيت حق الدولة وحدها بإدارة القرار الأمني والسيادي والتفاوضي.
وسط هذه التوازنات الدقيقة، يحاول لبنان أن يقول للمرة الأولى منذ سنوات إنه لا يريد أن يكون ورقة تفاوض لأحد، بل دولة تسعى إلى تثبيت حدودها واستقرارها وقرارها السيادي بعيداً عن صراعات الآخرين.

قد لا تكون المهمة سهلة، وقد تبقى الضغوط الإقليمية أقوى من قدرة لبنان على المناورة، لكن مجرد محاولة فصل المسار اللبناني عن حرائق المنطقة يشكّل بحد ذاته تحولاً سياسياً لافتاً في لحظة شرق أوسطية شديدة الحساسية.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها