هلا الخطيب كريّم

السبت ٣٠ أيار ٢٠٢٦ - 13:51

المصدر: Independent عربية

الحقيبة عند الباب… كيف صار الهرب مهارة يومية في لبنان؟

في لبنان، صارت حقيبة الطوارئ قطعة أثاث نفيسة. جواز سفر وشاحن ودواء وما تيسر من الأموال، وثياب تكفي لليلة لا أحد يعرف كم ستطول. وتحول الأمن إلى مهارة فردية، فالطرقات قد تتحول فجأة من شوارع إلى مخارج نجاة.

وأكثر ما يخيف في حقائب الهرب ليس ما بداخلها، إنما لأنها أصبحت تبدو منطقية جداً، كأن المجتمع كله يعيش في وضعية “ربما نغادر الليلة”، ربما لا تعمل الصرافات غداً، وربما صار الاستعداد للهرب أكثر واقعية من التخطيط للعطلة.

أذكر من أحاديث أمي عن الحرب الأهلية اللبنانية أنها كانت حاملاً بأختي، ولفت حول بطنها ما تيسر من نقود ربما يحتاجون إليها قبل أن يعودوا إلى منزلهم الذي ابتعد عنهم أكثر من 15 عاماً. أسألها اليوم، ماذا كانت تحوي حقيبة الهرب، وتخبرني أنها اختلفت بحسب وقت تهجرنا فيه من مكان إلى آخر في هذا البلد الصغير، فإلى جانب النقود والذهب كانت أمي تحمل معها ألبومات الصور، كأنها تخشى أن تخسر ماضيها بناسه وأماكنه، وكان معها حق. اليوم تأخذ الصور حيزاً كبيراً من ذاكرة هواتفنا فنحملها خفيفة شبه مضمونة، وكانت أمي تحمل في حقائب الهرب إلى الحياة بعض القطع المشغولة يدوياً بخاصة التطريزات التي لا يمكن استرجاعها أو استبدالها، لأن من اشتغلها وترك بصمته عليها قد يرحل أو يهاجر، أو يصبح هو نفسه جزءاً من الذاكرة التي نحاول إنقاذها من الخراب. كانت تحمل تلك القطع كأنها تحمل الوقت نفسه، ففي الحروب يهرب الناس بالأشياء الأغلى ثمناً التي يصعب تعويض معناها.

الأولويات التقليدية

اليوم، ترجع تلك الحقيبة التي افترضنا طويلاً أنها ستعيش منسية في مستودع التخزين بانتظار سفر ما، لتصبح نجمة البيت، هذه المرة كحقيبة طوارئ وحقيبة الهرب، وتفتح هذه المرة من دون أحلام الرحلة الممتعة، فاحتمال أن يطلب منك الواقع المغادرة خلال دقائق، تاركاً وراءك ما أمضيت أعواماً تجمعه وتؤجل ترتيبه قائماً كل لحظة.

فلقد تغير شكل الخوف من مجرد شعور عابر يمر مع نشرات الأخبار إلى ممارسة يومية صغيرة، وتغير معه ما تحتويه حقيبة الهرب، فالأولويات العامة قد تختصر بشاحن إضافي ونسخ عن الأوراق الرسمية ودواء محفوظ جانباً، وما تيسر من نقود ومقتنيات ثمينة يسهل حملها، حتى أكثر الناس سخرية من فكرة التحضير للأسوأ وجدوا أنفسهم يفكرون ماذا لو اضطررنا إلى الخروج الليلة؟ ماذا نأخذ؟ ماذا نترك؟

تقول بتول إنها غادرت بيتها على طريق المطار في بيروت منذ الحرب الماضية حتى اليوم نحو خمس مرات. وكانت قد جهزت الذهب والمال وجوازات السفر أولاً في حقيبة، وتستغرب من كونها كانت تكتفي بأخذ الثياب التي ترتديها في المنزل من دون أن تفكر بالثياب الأكثر ترتيباً، أو بالحقائب الثمينة ذات الماركات العالمية، وتضيف “أحياناً تشعر أن ما تفعله لا يشبه الهرب الذكي، بخاصة أن بعض الموجودات تكلف ثروة وتتركها في كل مرة”، وقد وضعت بتول حقيبة جاهزة للعائلة في سيارتها حتى لا تنشغل بماذا تأخذ كل مرة، وأخيراً وضعت بعض الثياب المرتبة والحقائب.

من ناحيتها، تقول ريان إن حقيبة الطوارئ التي تحوي جوازات السفر والنقود والذهب موجودة في ركن قرب الباب الرئيس، أما حقيبة الملابس لها ولأطفالها فتتبدل كل مرة، وعند أي إنذار (إسرائيلي بالإخلاء) تلتقطها وتسير لتختصر الوقت. وتخبر أن لديها لائحة مكتوبة لتتذكر ما الذي يجب إحضاره بعدما اضطرت إلى ترك البيت مرات عدة، لكن الوقت لا يسمح عادة بمراجعة اللائحة، أما الحقيبة الأخرى فتحوي حليباً وحفاضات لطفلتها وبعض الأدوية الضرورية، أما زوجها فحقيبة الأدوية لا تفارقه أبداً، يحملها معه في حقيبة يعلقها على كتفه.

تقول أم علي وهي نازحة من جنوب لبنان إن المستلزمات التي تأخذها معها “أدويتها أولاً والأوراق الثبوتية والثياب التي تحتاج إليها دوماً”، ولكن مع وجود أحفادها فهي تحضر مستلزماتهم اليومية، وإذا لم يحالفها الحظ بالذهاب إلى بيت مجهز فتأخذ معها إبريق الشاي وركوة القهوة وبعض معدات الطبخ كالطناجر وسواها للتدبير اليومي، “إذ ليس كل شخص قادراً على شراء هذه المستلزمات”، وإذا كان الهرب بإيقاع مقبول تفكر في بعض الكماليات التي تريحها مثل التلفزيون أو الغسالة.

من جهته، يحمل مروان حاسوبه المحمول لإكمال العمل من بعد كأول شيء يفكر بأخذه من المنزل “إن هذا الجهاز مصدر رزقي الوحيد، بالواقع لا أملك مالاً أخاف عليه، وهويتي الشخصية أحملها معي أينما ذهبت”.

رسائل أبي

لم تجد وفاء أهم من رسائل والدها المتوفى تصحبها خارج المنزل المهدد دائماً في الضاحية الجنوبية لبيروت، “إنها أهم من أموال العالم والأوراق الثبوتية، كله يمكن الاستحصال عليه، ولكن الرسائل بخط والدي، وبعض الكاسيتات (شرائط مسجلة) بصوته التي كان يرسلها لي وأنا في ألمانيا لا تعوض بثمن. على رغم أنني صورت الرسائل على هاتفي، لكن للورق عندي معنى آخر”. تخشى وفاء ألا يبقى من منزلها في مجدل سلم (جنوب) إلا المفتاح “ونكرر قصص الشعب الفلسطيني، ونبدأ بتعليق مفاتيحنا على أمل العودة”، وتخبر أن زوجها يضيق ذرعاً بها أحياناً لشدة تعلقها بتذكارات جمعتها من حول العالم، وتريد كل مرة أخذها.

يحمل البعض إذا أتاح لهم الوقت بعض أغراضهم الثمينة معنوياً أو مادياً، لكن البعض ممن اضطر إلى الهرب بعد إنذار مفاجئ بالكاد سمح له الوقت حتى بأخذ أوراقه وأمواله، أو كان خارج المنزل فبقي خارجه، وبعضهم فقد حياة كاملة كانت تقطن تلك الجدران التي تحولت ركاماً فوق ركام.

تجارب شخصية

كل هذا كان نتيجة تجارب شخصية لأناس خبروا الهرب مرات ومرات، فزادوا بالخبرة عناصر إلى حقيبة الهرب وألغوا أخرى. وبهدوء يشبه الذعر المؤجل، تحول الأمن من مسؤولية دولة إلى مهارة شخصية. يحاول الناس الذين يبحثون عن النجاة، عن شعور قابل للتصديق بالسيطرة وسط عالم يتصرف كأنه فقد أعصابه. وفي لبنان، حيث الحروب والانهيارات الاقتصادية وانقطاع الخدمات ليست أحداثاً استثنائية، صار الهرب الذكي المبني على التجربة جزءاً من الثقافة اليومية، حتى لو لم يسمه أحد بهذا الاسم.

فخلف كل باب تقريباً، توجد اليوم حقيبة جاهزة أو نصف جاهزة، كأن المجتمع كله يعيش في وضعية “ربما”. ربما نغادر، ربما نحتاج إلى طريق بديل، ربما لا تعمل الصرافات غداً، وربما اعتدنا الفكرة إلى حد بات فيه تجهيز حقيبة للهرب تصرفاً عقلانياً روتينياً.

النجاة مهارة منزلية

لم يعد الهرب في زمن الحروب والكوارث فعلاً بدائياً تماماً، من باب يفتح وسيارة تدار إلى وجهة مجهولة، لقد صار الهرب اليوم مشروعاً صغيراً تديره العائلة، من حقيبة جاهزة وشاحن ممتلئ وأوراق مصورة وطريق بديل، ومنطقة أقل جنوناً، وقليل من الوهم الضروري بأننا نسيطر على الفوضى.

ولقد تحولت حقيبة الهرب إلى رمز لثقافة الاستعداد الفردي في العالم، وتنصح مواقع مثل Ready.gov التابعة للحكومة الأميركية بحقيبة تكفي الشخص أو العائلة أياماً عدة بعد الكارثة، وفيها ماء وطعام غير قابل للتلف، ومصباح وبطاريات وراديو وأدوية، إضافة إلى نسخ عن الوثائق وكمامات ونقود وشاحن احتياط. وعلى رغم أن الفكرة بسيطة لكنها مخيفة في آن، إذ تفترض أن الدولة ستتأخر عن الاستجابة، وربما تنقطع الكهرباء ويقفل المصرف، وأن الطريق المعتاد ربما يصبح خبراً عاجلاً.

ويذهب الصليب الأحمر الأميركي في الاتجاه نفسه، فيوصي بحقيبة سهلة الحمل في البيت أو السيارة تستخدم عند الإخلاء السريع، أما الصليب الأحمر الكندي فينصح بمؤونة تكفي ثلاثة أيام في الأقل، وقد تمتد إلى سبعة أو 10 أيام في المناطق النائية، كأن العالم يقول للمواطن ببرودة إدارية، كن مستعداً كي تعيش وحدك قليلاً، لأن النظام العام قد يحتاج إلى وقت كي يتذكر أنك موجود.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها