المصدر: صوت لبنان
الحجر الصحي البحري، من سفينة هونديوس إلى ذاكرة الموانئ
لم تكن أزمة السفينة السياحية MV Hondius هونديوس مجرد واقعة صحية طارئة في البحر، بل استعادت، بصورة معاصرة، واحدا من أقدم أسئلة التاريخ الوبائي، ماذا تفعل الدول حين يقترب الخطر من مينائها على متن سفينة؟ فالسفينة التي ارتبطت ببؤرة مشتبه بها لعدوى فيروس هانتا، وواجهت صعوبات في الرسو والإنزال بعد رفض سلطات الرأس الأخضر استقبالها احترازيا، كشفت أن البحر لا يزال، كما كان قبل قرون، مساحة اختبار صعبة بين واجب الإنقاذ وحق الدول في حماية سكانها.
هونديوس، سفينة حديثة تستدعي ذاكرة الأوبئة البحرية
في مثل هذه اللحظات، تتحول السفينة من وسيلة سفر وترفيه إلى فضاء مغلق للقلق، ركاب من جنسيات متعددة، طاقم يعمل تحت الضغط، إمكانات طبية محدودة، وميناء يخشى أن تتحول عملية الإنزال إلى بوابة لعدوى جديدة. هنا لا يعود الحجر الصحي مجرد إجراء إداري، بل يصبح قرارا سياديا وأخلاقيا في آن واحد. فترك السفينة في البحر يطرح أسئلة إنسانية قاسية، وفتح الميناء من دون ضوابط يثير مخاوف صحية مشروعة. وبين هذين الحدين، نشأ تاريخ طويل من الحجر الصحي البحري.
لم يولد الحجر الصحي في المختبرات الحديثة، بل على أرصفة الموانئ. قبل أن يعرف الإنسان الجراثيم والفيروسات، أدركت المدن البحرية، بالغريزة والخبرة المتراكمة، أن السفينة لا تحمل البضائع فقط، بل قد تحمل معها المرض أيضا. وبعد الطاعون الأسود الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر، وجدت الموانئ المتوسطية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، لا تستطيع إغلاق البحر لأن اقتصادها قائم على التجارة، ولا تستطيع استقبال السفن بلا رقابة لأن الوباء قد يدخل معها إلى المدينة.
من راغوزا إلى البندقية، ولادة الحجر الصحي البحري
من هنا ظهر الحل الوسط، انتظار منظم قبل الدخول. في مدينة راغوزا، دوبروفنيك الحالية، صدر عام 1377 أحد أقدم قرارات الحجر الصحي المعروفة، إذ فرض على القادمين من مناطق موبوءة أن يمكثوا فترة عزل قبل دخول المدينة. كانت المدة في البداية ثلاثين يوما، ثم تطورت في التجربة الإيطالية إلى أربعين يوما، ومنها جاءت كلمة كوارنتينا، أي الحجر الصحي.
لكن البندقية هي التي منحت هذا النظام شكله المؤسسي الأشهر. ففي القرن الخامس عشر أقامت المدينة ما عرف باسم اللازاريتو، وهي محطات عزل مخصصة للمصابين أو المشتبه بإصابتهم. ولم يقتصر الأمر على الأشخاص، بل شمل البضائع والملابس والحبال والأخشاب، وكل ما كان يظن أنه قد ينقل العدوى. هكذا صار الميناء جهاز فرز صحي، سفن يسمح لها بالدخول، وأخرى تحتجز، وبضائع تطهر، وركاب يراقبون.
كان الحجر البحري، في جوهره، محاولة لإدارة المجهول. فالمدن لم تكن تملك تفسيرا علميا دقيقا للعدوى، لكنها عرفت من تكرار الكوارث أن التسرع في فتح المرافئ قد يقتل مدينة كاملة. ومع ذلك، لم يكن الحجر إجراء بسيطا أو محايدا، فقد كان يفرض خسائر على التجار، ويترك البحارة في عزلة قاسية، ويحول الركاب إلى أجساد مشبوهة قبل أن يكونوا ضحايا محتملين.
تحول الحجر إلى نظام صحي عالمي
في القرن التاسع عشر، تغير وجه الخطر. لم تعد أوروبا تخشى الطاعون وحده، بل واجهت الكوليرا والحمى الصفراء وأوبئة أخرى انتقلت مع توسع الملاحة البخارية وتسارع حركة البشر والبضائع. ومع ازدياد سرعة السفن، لم يعد ممكنا لكل ميناء أن يتصرف منفردا وفق قواعده الخاصة. فالإفراط في الحجر كان يضر التجارة، والتهاون فيه كان يفتح الطريق أمام الوباء. لذلك بدأت المؤتمرات الصحية الدولية في البحث عن قواعد مشتركة تنظم الحجر البحري وتوازن بين الاقتصاد والصحة العامة.
ومع تقدم علم الوبائيات، انتقل الحجر من منطق احتجاز السفينة إلى منطق تقييم الخطر. لم يعد السؤال الوحيد، كم يوما نمنع السفينة من الرسو؟ بل أصبح، ما المرض؟ كيف ينتقل؟ من المخالطون؟ من يحتاج إلى عزل؟ ومن يحتاج إلى علاج عاجل؟ بهذا المعنى، صار الحجر الصحي البحري جزءا من نظام أوسع لإدارة الأزمات، لا مجرد انتظار سلبي على أبواب الموانئ.
كيف نحمي البر من خطر البحر
تبدو أزمة سفينة هونديوس ابنة هذا التاريخ الطويل. فهي تذكر بأن السفن، رغم كل التقدم التقني والطبي، لا تزال بيئات معقدة عند ظهور العدوى، مغلقة، مكتظة نسبيا، ومتعددة الجنسيات، وتحتاج إلى تنسيق بين دولة العلم، ودولة الميناء، والشركة المالكة، والسلطات الصحية الدولية. وفي كل مرة تظهر فيها أزمة كهذه، يعود السؤال القديم بصيغة جديدة، كيف نحمي البر من خطر البحر، من دون أن نتخلى عن العالقين فوقه؟
الحجر الصحي البحري، إذا، ليس بقايا من زمن الطاعون، بل أحد أقدم أشكال التفكير الصحي العالمي. فمن راغوزا والبندقية إلى السفن السياحية الحديثة، ظل الميناء نقطة التقاء بين الحركة والخوف، وبين التجارة والمرض، وبين السيادة والإنسانية. وما تكشفه السفن الموبوءة اليوم هو ما عرفته المدن البحرية منذ قرون، أن العولمة تبدأ من البحر، وأن أول اختبار لها عند الخطر يكون على الرصيف البحري.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها