المصدر: صوت لبنان
الخطر الصامت: إلغاء الامتحانات كنموذج لما يهدد مستقبل لبنان التربوي
في الأيام الأخيرة، أثار قرار إلغاء الامتحانات الرسمية فرحة عارمة عند كثير من التلاميذ. هذا شعور مفهوم بعد سنوات صعبة من الأزمات والضغوط. لكن خلف هذا الارتياح، هناك سؤال يجب أن يُطرح بجدية: هل نحن نسهّل على أبنائنا مستقبلهم اليوم… أم نُصعّبه عليهم غداً؟
المشكلة ليست في الامتحانات بحد ذاتها، بل في ما تعكسه. ما نشهده اليوم في لبنان هو تراجع واضح في مستوى التعليم، لكن الأخطر من ذلك هو أن هذا التراجع لا يصيب الجميع بنفس النسبة او الشكل. هناك من لا يزال قادراً على تأمين تعليم جيد لأبنائه، وهناك من لم يعد يملك هذه القدرة.
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: اللامساواة المعرفية.
بكلمات بسيطة، هناك طلاب لديهم:
إنترنت دائم
أجهزة كمبيوتر
مدارس جيدة
دعم عائلي
وفي المقابل، هناك طلاب:
يعانون من انقطاع الكهرباء والإنترنت
لا يملكون وسائل دراسة كافية
يدرسون في مدارس تعاني من ضعف الإمكانات
وأوضاعهم العامة غير مستقرة بشكل مرضٍ
الفرق بين هاتين الفئتين لا يتوقف عند العلامات أو الشهادات، بل يمتد إلى القدرة على التفكير، والعمل، وبناء المستقبل.
نحن لا نشهد مجرد أزمة تعليم، بل بداية تفكّك لما يمكن تسميته بـ”رأس المال المعرفي” للمجتمع، أي القدرة الجماعية على الفهم، والتحليل، والإنتاج، والمشاركة في عالم يحكمه اقتصاد المعرفة.
لقد كان التعليم في لبنان، رغم كل عيوبه، يشكّل تاريخياً أحد أهم عناصر التوازن الاجتماعي. كان يتيح، ولو جزئياً، إمكان الصعود الاجتماعي، ويمنح شرائح واسعة فرصة الانخراط في الاقتصاد الحديث. أما اليوم، فإن هذا الدور يتآكل بسرعة.
ان الاعتماد على ما يُسمّى بـ”اقتصاد المعرفة”، تعني أن قيمة أي بلد تُقاس بقدرة شبابه على التعلم، الابتكار، والتطور. إذا خسرنا هذه القدرة، نخسر مكاننا في العالم، بغض النظر عن أي شيء آخر.
المقلق أكثر أن هذه الفجوة تكبر مع الوقت. من يحصل على تعليم جيد، غالباً ما يغادر لبنان بحثاً عن فرص أفضل. ومن لا يحصل عليه، يبقى، لكن بفرص أقل. هكذا نجد أنفسنا أمام معادلة خطيرة: من يستطيع الانجاز والبناء يهاجر، ومن يبقى لا يملك الأدوات الكافية.
هذا لا يعني أن الجيل الحالي ضعيف أو غير قادر. على العكس، هو جيل واجه ظروفاً صعبة جداً. لكن المشكلة أن هذه الظروف لا تعطيه الفرصة الكاملة ليُظهر قدراته.
إذا استمر الوضع كما هو، قد نجد أنفسنا خلال سنوات أمام:
تراجع في نوعية الوظائف
ضعف في مؤسسات الدولة
اقتصاد أقل قدرة على النهوض
لكن هذا المسار ليس حتمياً. لا يزال هناك ما يمكن فعله، حتى بإمكانات محدودة.
بعض الخطوات البسيطة يمكن أن تُحدث فرقاً:
دعم التعليم الرسمي بشكل جدي، ولو تدريجياً
توفير الإنترنت والأجهزة للطلاب الأكثر حاجة
تشجيع المبادرات التعليمية المجانية أو منخفضة الكلفة على غرار: منصة طبشورة المجانية
دعم المعلمين لتحسين أدائهم واستقرارهم
وبموازاة كل ذلك: العمل على تجديد المناهج وتطويرها وجعلها متناسبة مع حاجات لبنان للنهوض وللمنافسة على المستوى العالمي
والأهم من كل ذلك، تغيير النظرة إلى التعليم. لا يجب أن يكون الهدف فقط “النجاح” أو “الحصول على شهادة”، بل بناء مهارات حقيقية تساعد الشباب على مواجهة الحياة.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية. إما أن ننتبه إلى خطورة ما يحدث ونتحرك، أو نترك الأمور تسير وحدها، فنكتشف بعد سنوات أننا خسرنا أهم ما نملك: عقول شبابنا.
المشكلة صامتة، لكنها عميقة. والسؤال ليس إن كانت ستؤثر علينا، بل إلى أي مدى سنسمح لها بذلك.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها