شفيق طاهر

الأثنين ٢٩ حزيران ٢٠٢٦ - 09:40

المصدر: المدن

لماذا لا يستطيع ترامب رفع العقوبات عن إيران بشحطة قلم؟

لم تعد العقوبات على إيران ملفاً يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يطويه بتوقيع رئاسي أو “بشحطة قلم”. فحتى لو أراد إلغاء أو تخفيف جزء كبير منها، فإن ذلك لا يعني أن الباب سيفتح تلقائياً أمام عودة طهران إلى الأسواق العالمية أو تدفق الاستثمارات الموعودة في مذكرة التفاهم، والتي قد تصل إلى 300 مليار دولار. فالعقوبات الأميركية على إيران تحولت خلال أربعة عقود إلى شبكة معقدة من القوانين، والقرارات التنفيذية، والتصنيفات الإرهابية، والمخاطر القضائية والمالية. لذلك، فإن أي اتفاق مؤقت قد يمنح طهران متنفساً سياسياً واقتصادياً محدوداً، لكنه لا يكفي وحده لإقناع البنوك والشركات بأن إيران أصبحت سوقاً آمنة للاستثمار.

المشكلة الأولى أن جزءاً من العقوبات خاضع لصلاحيات الرئيس، وجزءاً آخر خاضع للكونغرس. يستطيع الرئيس إلغاء أو تعديل أوامر تنفيذية سابقة، أو إصدار رخص مؤقتة تسمح بعمليات محددة، كما يحدث عادة في ملفات النفط أو الأصول المجمدة. لكن العقوبات المفروضة بقوانين صادرة عن الكونغرس، خصوصاً تلك المرتبطة بدعم إيران لحماس وحزب الله والحرس الثوري، لا يمكن شطبها بسهولة. هنا يصبح القرار سياسياً لا إدارياً فقط، لأن رفعها يحتاج إلى تعديل تشريعي أو موافقة من مؤسسة شديدة الحساسية تجاه إيران.

العامل الإسرائيلي

هنا يدخل العامل الإسرائيلي. فاللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، وعلى رأسه “إيباك”، يملك قدرة كبيرة على رفع كلفة أي تنازل سياسي. يعمل هذا اللوبي عبر قنوات متعددة، الضغط المباشر على أعضاء الكونغرس، دعم المرشحين المؤيدين لإسرائيل، تمويل حملات ضد سياسيين ينظر إليهم بوصفهم متساهلين مع إيران أو منتقدين لإسرائيل.

قوة هذا اللوبي لا تعني أنه يتحكم وحده بالقرار الأميركي، لكنها تعني أنه يستطيع تضييق هامش المناورة أمام أي إدارة أميركية. فالرئيس قد يوقع رخصة مؤقتة، لكن الشركات والبنوك ستسأل، هل سيصمد القرار بعد ستين يوماً؟ هل سيهاجمه الكونغرس؟ هل ستعود العقوبات إذا تغير المزاج السياسي؟ وهل ستتعرض المؤسسة لغرامات أو دعاوى أو حملات إعلامية؟ لذلك لا تتعامل الأسواق مع إيران كبلد خرج من العقوبات، بل كبيئة قانونية ملغومة.

حتى لو خففت العقوبات الأميركية، تبقى الشركات أمام شبكة مخاطر أوسع. البنوك وشركات النفط والتأمين والشحن لا تخشى واشنطن وحدها، بل تخشى أيضاً العقوبات البريطانية والأوروبية والأممية، وقواعد الامتثال، وتدقيق التحويلات، وخطر التورط غير المباشر مع كيانات مرتبطة بالحرس الثوري أو بحزب الله أو حماس أو شبكات تهرب تمر عبر الصين وروسيا وكوريا الشمالية. لقد أصبحت المؤسسات المالية الغربية أكثر خوفاً من إيران من حاجتها إلى السوق الإيرانية.

استثمار الـ 300 مليار

وهنا تبرز معضلة الاستثمارات التي قد تصل، وفق مذكرة التفاهم، إلى 300 مليار دولار. فهذا الرقم، مهما بداً ضخماً على الورق، لا يتحول تلقائياً إلى أموال تدخل الاقتصاد الإيراني. فالشركات لا تستثمر بناء على التعهدات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، وضمانات مصرفية، وتأمين، وتحويلات آمنة، وحماية من العقوبات اللاحقة. وفي حالة إيران، سيكون السؤال الأساسي، من يجرؤ على ضخ مليارات الدولارات في بلد قد تعود عليه العقوبات في أي لحظة؟ لذلك، قد يتحول رقم الـ 300 مليار إلى سقف تفاوضي أو وعد سياسي أكثر منه خطة استثمار قابلة للتنفيذ السريع.

المشكلة الثالثة هي الدعاوى القضائية. فالشركات التي تدخل السوق الإيرانية قد تواجه اتهامات بمساعدة كيانات مصنفة إرهابية أو تسهيل تمويلها، خصوصاً في ظل قوانين أميركية مثل قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب. هذا لا يعني أن كل شركة تتعامل مع إيران ستكون مدانة، لكنه يعني أن المخاطر لا تنتهي عند وزارة الخزانة. هناك محاكم، ومحامون، وضحايا هجمات، ومجموعات ضغط قادرة على تحويل أي علاقة تجارية مع إيران إلى ملف قضائي أو سياسي.

أن العقوبات على إيران لم تعد مجرد قرار أميركي يمكن قلبه بتوقيع معاكس. لقد أصبحت بنية سياسية وقانونية واقتصادية كاملة. لذلك، قد تحصل إيران على تخفيف مؤقت، لكنها لن تحصل بسهولة على ثقة الأسواق ما دام اسمها مرتبطاً بالإرهاب، والصواريخ، والحرس الثوري، وحزب الله، والمواجهة المفتوحة مع إسرائيل. أما رقم الـ 300 مليار دولار، فقد يبقى عنواناً كبيراً في مذكرة التفاهم، لكنه لن يتحول إلى واقع استثماري ما لم تتغير البيئة التي جعلت إيران واحدة من أكثر الأسواق خطورة في العالم.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها