المصدر: صوت لبنان
الأموال الإيرانية المجمدة… مفتاح الحل أم بداية نهاية الاتفاق؟
لم يعد الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران محصوراً في البرنامج النووي أو نسب تخصيب اليورانيوم، بل انتقل إلى ملف أكثر حساسية وتأثيراً، هو ملف الأموال الإيرانية المجمدة، الذي بات يمثل أحد أهم مفاتيح الحل والعقد في أي اتفاق مرتقب. فبينما تصر طهران على أن هذه الأموال حق سيادي غير قابل للتفاوض، تنظر إليها واشنطن باعتبارها أداة ضغط يمكن من خلالها رسم حدود السلوك الإيراني بعد أي اتفاق. ومن هنا تبدو الفجوة بين الطرفين أعمق من مجرد خلاف على أرقام أو حسابات مصرفية، لأنها تتعلق بجوهر السيادة الاقتصادية وحق الدولة في التصرف بأموالها.
وتشير معظم التقديرات الدولية إلى أن قيمة الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج تتراوح بين مئة ومئة وعشرين مليار دولار، فيما يقدر الجزء القابل للإفراج في المرحلة الحالية بما يتراوح بين اثني عشر وأربعة وعشرين مليار دولار. وتتوزع هذه الأموال بين الصين التي تحتفظ بالنصيب الأكبر من عائدات النفط الإيرانية بما يراوح بين عشرين وخمسين مليار دولار، والعراق الذي تقدر فيه المستحقات الإيرانية الناتجة عن صادرات الغاز والكهرباء بنحو خمسة عشر مليار دولار، إضافة إلى نحو سبعة مليارات دولار في الهند، وستة مليارات دولار نقلت من كوريا الجنوبية إلى قطر في إطار صفقة تبادل السجناء عام 2023، فضلاً عن أرصدة متفاوتة في اليابان وبعض الدول الأوروبية والآسيوية. وإذا ما قورنت هذه الأرقام بحجم الاقتصاد الإيراني الذي يناهز ثلاثمئة مليار دولار، يتبين أن الإفراج عن جزء من هذه الأموال كفيل بإحداث أثر مباشر على احتياطيات النقد الأجنبي وسعر صرف الريال وقدرة الحكومة على تمويل وارداتها.
ولم تأتِ عملية تجميد هذه الأموال نتيجة سبب واحد، بل هي حصيلة تراكمات بدأت منذ الثورة الإسلامية عام 1979، ثم توسعت مع العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي، قبل أن تبلغ ذروتها بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض سياسة “الضغط الأقصى”. كما استندت واشنطن إلى أحكام قضائية وقوانين داخلية سمحت بالحجز على جزء من الأصول الإيرانية لتعويض ضحايا هجمات نسبت المسؤولية عنها إلى إيران، بينما تعتبر طهران أن هذه الإجراءات تمثل مصادرة غير مشروعة لأموال دولة ذات سيادة، وأن العقوبات لا تمنح أي دولة الحق في الاستيلاء على ممتلكات دولة أخرى أو فرض الوصاية على طريقة إنفاقها.
ومن هنا لم يعد الخلاف يتمحور حول الإفراج عن الأموال بحد ذاته، بل حول من يملك حق التصرف بها. فالولايات المتحدة لا تعارض، من حيث المبدأ، الإفراج عن جزء من الأموال، لكنها تصر على أن يبقى استخدامها محصوراً في شراء الغذاء والدواء والسلع الإنسانية، وأن تتم عمليات الدفع عبر قنوات مالية خاضعة لرقابة أمريكية أو دولية، بحيث لا تنتقل الأموال فعلياً إلى البنك المركزي الإيراني. ويجد كثير من المراقبين في هذا الطرح تشابهاً مع برنامج “النفط مقابل الغذاء” الذي فرض على العراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، إذ إن الدولة لا تستعيد أموالها بصورة كاملة، وإنما يسمح لها باستخدامها ضمن سقوف وضوابط يحددها الطرف الذي يفرض العقوبات، حتى وإن اختلفت الخلفيات القانونية والسياسية بين الحالتين.
أما إيران فترفض هذا المنطق رفضاً قاطعاً، لأنها تعتبر أن الأموال ليست مساعدات أمريكية ولا أموالاً خاضعة للمنح، وإنما هي عائدات نفط وأصول مالية مملوكة للدولة الإيرانية، ومن حقها استخدامها بحرية لدعم الاقتصاد الوطني، وتمويل الموازنة العامة، وتعزيز احتياطيات البنك المركزي، واستقرار العملة المحلية، وتمويل المشاريع والاستثمارات. كما ترى أن أي قبول بالقيود الأمريكية سيعني عملياً الاعتراف بحق واشنطن في الوصاية على القرار الاقتصادي الإيراني، وهو ما تعتبره تجاوزاً للسيادة الوطنية.
ولا يقتصر هذا الخلاف على الجانب المالي، بل يرتبط مباشرة بالتطورات الأمنية في الخليج، ولا سيما في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو عشرين في المئة من تجارة النفط العالمية. فالتصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة لا يمكن فصله عن المفاوضات المتعلقة بالأموال المجمدة والعقوبات، إذ تدرك طهران أن أمن هذا الممر البحري يشكل مصلحة استراتيجية للعالم بأسره، وأن أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يمنحها ورقة ضغط إضافية في مواجهة الضغوط الأمريكية. وفي المقابل، تدرك واشنطن أن الإفراج الكامل عن الأموال يمنح إيران متنفساً اقتصادياً وسياسياً قد ينعكس على موازين القوى الإقليمية، ولذلك تحاول الإبقاء على هذه الأموال ضمن دائرة الرقابة حتى في حال التوصل إلى تفاهم سياسي.
ومن هنا تبدو الأموال الإيرانية المجمدة اليوم أكثر من مجرد أرصدة مالية محتجزة، فهي أصبحت معياراً لقياس حدود النفوذ الأمريكي وحدود السيادة الإيرانية في آن واحد. وإذا كانت واشنطن ترى أن الإفراج المشروط عن الأموال يشكل ضمانة لتغيير السلوك الإيراني، فإن طهران تنظر إلى هذا الطرح باعتباره محاولة لإعادة إنتاج نموذج الوصاية الاقتصادية الذي عرفه العالم في تجارب سابقة، وفي مقدمتها تجربة “النفط مقابل الغذاء” في العراق. ولذلك، فإن مستقبل أي اتفاق لن يتوقف فقط على نسب التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل على قدرة الطرفين على ردم الفجوة القائمة بين حق إيران في استعادة أموالها كاملة، ورغبة الولايات المتحدة في تحويل هذه الأموال إلى أداة رقابة دائمة على الاقتصاد الإيراني. وإذا بقي كل طرف متمسكاً بموقفه، فقد تتحول الأموال التي يفترض أن تكون مفتاحاً للحل إلى الشرارة التي تعجل بانهيار الاتفاق، ليصبح التصعيد في مضيق هرمز ليس سبباً للأزمة، بل أحد وجوها القادمة لا محال.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها