محمد موسى

الأربعاء ٨ تموز ٢٠٢٦ - 10:55

المصدر: صوت لبنان

قمة الناتو في أنقرة… الأمن في قلب الاقتصاد

لم تعد قمم حلف شمال الأطلسي تقتصر على مناقشة القضايا العسكرية أو تنسيق الخطط الدفاعية بين الدول الأعضاء، بل تحولت إلى منصات ترسم ملامح السياسات الاقتصادية والمالية للعقد المقبل. فقمة الناتو المنعقدة في أنقرة تأتي في ظل عالم يشهد تصاعداً غير مسبوق في التوترات الجيوسياسية، واستمرار الحرب في أوكرانيا، واتساع المنافسة الاستراتيجية مع الصين، وتزايد بؤر الصراع في الشرق الأوسط، الأمر الذي جعل الأمن يتحول من ملف عسكري إلى قضية اقتصادية ومالية بامتياز.
وتكتسب القمة أهمية استثنائية لأنها تمثل أول اختبار عملي للقرارات التي أقرها الحلف في قمة لاهاي عام 2025، والتي تقضي برفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء تدريجياً إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، موزعة بين 3.5% للإنفاق العسكري المباشر و1.5% للاستثمار في الأمن السيبراني والبنية التحتية العسكرية والقدرات اللوجستية والابتكار الدفاعي. ويعد هذا القرار أكبر تحول في سياسة الإنفاق داخل الحلف منذ نهاية الحرب الباردة، إذ ينقل الدفاع من بند تقليدي في الموازنات العامة إلى أولوية اقتصادية تتقدم على العديد من القطاعات الأخرى.

وتكشف الأرقام حجم التحول المنتظر. فوفق تقديرات الحلف، يبلغ متوسط الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية وكندا خلال عام 2026 نحو 2.53% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أقل بكثير من الهدف الجديد. ولا تتجاوز نسبة 3.5% سوى خمس دول هي ليتوانيا بنسبة 5.33%، وإستونيا 5.10%، ولاتفيا 4.92%، وبولندا 4.68%، واليونان 3.65%. أما الاقتصادات الكبرى، فما زالت بعيدة عن السقف المطلوب، إذ يبلغ الإنفاق الدفاعي في الولايات المتحدة 3.17%، وفي ألمانيا 2.69%، والمملكة المتحدة 2.56%، وفرنسا 2.22% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن هذه الدول ستكون مطالبة بزيادة إنفاقها العسكري بعشرات، وربما مئات، مليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة.وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الإنفاق الدفاعي لدول الحلف تجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً، إلا أن الوصول إلى الهدف الجديد سيرفع هذه الفاتورة بمئات المليارات الإضافية، وهو ما سيشكل ضغطاً كبيراً على المالية العامة، خصوصاً في ظل ارتفاع مستويات الدين العام في العديد من الاقتصادات الأوروبية، حيث تتجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 100% في فرنسا، وتقترب من 135% في إيطاليا، بينما تستمر الحكومات في مواجهة تباطؤ اقتصادي وارتفاع كلفة الاقتراض.وهنا تبدأ التحديات الحقيقية. فزيادة الإنفاق الدفاعي بهذا الحجم لن تتحقق دون إعادة ترتيب أولويات الموازنات العامة. وستجد الحكومات نفسها أمام خيارات صعبة، تتمثل في زيادة الضرائب، أو توسيع الاقتراض، أو تقليص الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية. كما أن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً سيزيد من كلفة تمويل الديون الحكومية، ما قد يؤدي إلى اتساع العجوزات المالية وإبطاء وتيرة النمو الاقتصادي في عدد من الدول الأوروبية.ولا تقتصر التداعيات على الجانب المالي، بل تمتد إلى وحدة الحلف نفسه. فالولايات المتحدة لا تزال تطالب الحلفاء الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع الجماعي، معتبرة أن واشنطن لا يمكن أن تستمر في تمويل الجزء الأكبر من القدرات العسكرية للحلف. وفي المقابل، ترى دول أوروبية أن رفع الإنفاق إلى هذه المستويات قد يهدد الاستقرار المالي ويؤثر في قدرتها على الحفاظ على برامج الرعاية الاجتماعية، ما ينذر بظهور خلافات متزايدة حول توزيع الأعباء المالية.

كما يبرز تباين آخر يتعلق بأولويات التهديدات. فدول شرق أوروبا تعتبر أن مواجهة روسيا يجب أن تستحوذ على النصيب الأكبر من الموارد العسكرية، بينما ترى دول جنوب أوروبا أن الإرهاب والهجرة غير النظامية وأمن البحر المتوسط تمثل تحديات لا تقل أهمية، وهو ما قد يؤدي إلى خلافات حول كيفية توجيه الاستثمارات الدفاعية خلال السنوات المقبلة.ورغم هذه المخاطر، فإن رفع الإنفاق العسكري يحمل في المقابل فرصاً اقتصادية مهمة. فمن المتوقع أن يشهد قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبية نمواً غير مسبوق، مع توسع الاستثمارات في إنتاج الذخائر والطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. كما ستسهم هذه الاستثمارات في خلق آلاف فرص العمل، وتحفيز البحث العلمي، وتعزيز الابتكار الصناعي، وزيادة الطلب على المعادن الاستراتيجية والتقنيات المتقدمة.

إلا أن هذه المكاسب قد تقابلها تحديات اقتصادية تتمثل في ارتفاع الدين العام، وزيادة كلفة خدمة الدين، وارتفاع عوائد السندات الحكومية، إضافة إلى احتمال مزاحمة الإنفاق العسكري للاستثمارات الإنتاجية والاجتماعية، وهو ما قد ينعكس سلباً على معدلات النمو والإنتاجية على المدى الطويل إذا لم تتم إدارة هذه التحولات بكفاءة.ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى حلول تحقق التوازن بين الأمن والاستدامة المالية. ويأتي في مقدمة هذه الحلول إنشاء صناديق أوروبية مشتركة لتمويل المشاريع الدفاعية الكبرى، وتوسيع برامج التصنيع العسكري المشترك لخفض الكلفة، وتعزيز التعاون الصناعي بين الدول الأعضاء، إضافة إلى منح الاقتصادات الأكثر مديونية فترات انتقالية أطول للوصول إلى أهداف الإنفاق الجديدة، وربط الزيادات بمعدلات النمو الاقتصادي، فضلاً عن توسيع الشراكات مع القطاع الخاص في مجالات التكنولوجيا والصناعات الدفاعية لتخفيف الضغط على الموازنات العامة.
في المحصلة، تؤكد قمة الناتو في أنقرة أن الأمن لم يعد ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد، بل أصبح أحد أهم محركات السياسات المالية والنقدية في العالم الغربي. فالقرارات التي تصدر عن القمة لن تؤثر فقط في ميزان القوى العسكرية، بل ستنعكس أيضاً على معدلات النمو، ومستويات الدين العام، وأسواق السندات، والسياسات الضريبية، والإنفاق الاجتماعي، ومستقبل الاقتصادات الأوروبية والأمريكية. ولذلك، فإن نجاح الحلف لن يقاس بقدرته على تعزيز الردع العسكري فحسب، بل بقدرته أيضاً على إدارة هذا التحول المالي الضخم دون أن يتحول إلى مصدر انقسام بين أعضائه أو عبء يهدد الاستقرار الاقتصادي

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها