المصدر: المدن
لأن العدو يأتي دائما من الشرق: عين مصرية على إسرائيل
لا تبدو خطط إقامة مزارع ونقاط مدنية إسرائيلية بمحاذاة الحدود مع مصر مجرد مبادرات زراعية لتشغيل شباب الكيان وتنمية مناطقه الطرفية. ففي ظل الحرب على غزة، والخلافات بشأن رفح ومحور فيلادلفيا، تكتسب هذه التحركات أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز نشاطها المعلن، وتطرح تساؤلات بشأن توظيف الوجود المدني في توسيع قدرات إسرائيل على الرصد وتعزيز حضورها قرب سيناء.
بالنسبة إلى القاهرة، ولأن العدو يأتي دائماً من الشرق، لا تمثل الحدود الشرقية خطاً جغرافياً عادياً، بل ترتبط بأمن سيناء وبترتيبات دقيقة أرستها معاهدة السلام الموقعة عام 1979. كما تأتي التحركات الإسرائيلية في وقت ترفض فيه مصر أي محاولة لفرض وقائع جديدة قرب حدودها، أو دفع الفلسطينيين إلى النزوح نحو سيناء، باعتبار ذلك تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري وتصفية للقضية الفلسطينية على حساب الأراضي المصرية.
الحارس الجديد.. بين الزراعة والأمن
تعد منظمة “هشومير هحاداش”، أو “الحارس الجديد”، من أبرز الجهات الإسرائيلية التي تمزج العمل الزراعي بمفاهيم الحراسة والارتباط القومي بالأرض. أسس المنظمة عام 2007 يوئيل زيلبرمان، وهو ضابط سابق خدم في وحدة خاصة بالجيش الإسرائيلي، وينتمي إلى عائلة تعمل في تربية الماشية. وقد صاغ مشروعه على أساس الجمع بين حماية الأراضي الزراعية، والعمل التطوعي، وإعداد الشباب وفق منظومة قومية تربط الأرض بالأمن والهوية الصهيونية. ولا يقتصر نشاط المنظمة على مساعدة المزارعين، بل يشمل برامج للشباب، ومدارس زراعية، ومسارات تسبق الخدمة العسكرية، وأنشطة مرتبطة بالخدمة المدنية. كما يدرج موقعها ضمن مجالات عملها الأمن المجتمعي والاستيطان على الحدود والتطوع العملياتي. وهذه الطبيعة المركبة تجعل الفصل بين المدني والأمني أمراً صعباً، خصوصاً عندما ينتشر شباب تلقوا تأهيلاً قائماً على قيم قومية وصهيونية في مناطق حدودية حساسة.
أن الوجود البشري الدائم، والقدرة على الملاحظة والإبلاغ، والاتصال بالمؤسسات الامنية الإسرائيلية، يمكن أن يمنح هذه النقاط وظيفة أمنية مساندة، حتى إذا احتفظت بواجهتها الزراعية.
منظمات متشابهة وشبكة أدوار متكاملة
ليست “هشومير هحاداش” حالة منفردة. فهناك منظمة “هشومير يوش”، التي تنشط في الضفة الغربية المحتلة، وتعلن صراحة أنها تساعد المزارعين والمستوطنين في حراسة المزارع والماشية، وتعمل على تعزيز الأمن والوجود اليهودي من خلال المتطوعين والمنسقين الميدانيين، بالتعاون مع جهات مدنية وحكومية.
وتوجد كذلك حركة “ريغافيم” اليمينية، التي تختلف في أدواتها، لكنها تؤدي دوراً مكملاً عبر توثيق ورصد ورسم خرائط ما يجري على الأرض، ثم استخدام المعلومات في الأبحاث والتحركات القانونية والسياسية، ويكشف ذلك عن توزيع للأدوار بين الحراسة الزراعية، وتثبيت الوجود البشري، والرصد الميداني، والتعون مع مؤسسات الكيان الامنية.
يقظة مصرية بلا تهويل
من حق مصر أن تتعامل مع هذه المشروعات بحذر، من دون الانجرار إلى تهويل إعلامي. فمصر تتابع مواقع هذه المشروعات على حدودها، وكذلك طبيعة المشاركين فيها، وتقييم قربها من الطرق والمعابر والمواقع الحساسة، واستخدام كل ما هو مناسب لضمان عدم تحول هذه المشاريع إلى منصات مراقبة تخل بالتوازن الحدودي.
إن استقرار الحدود لا يقوم على احترام نصوص معاهدة السلام فقط، بل يتطلب احترام روحها أيضاً، والامتناع عن إجراءات أحادية تزيد الشكوك أو تمس المصالح الأمنية للطرف الآخر. ومصرالحريصة على السلام، ليست مستعدة لقبول وقائع جديدة تهدد سيادتها.
القضية، إذن، ليست مزرعة تقام قرب الحدود، بل عقيدة إسرائيلية تستخدم الزراعة لتثبيت الوجود، والعمل المدني لتوسيع المراقبة والاستطلاع، والمتطوعين لصناعة حزام أمني بملابس مدنية. أما القاهرة، التي استعادت سيناء بالحرب وحمتها بالسلام، فتدرك الفارق بين جار يزرع أرضه وطرف يعيد هندسة الحدود تحت غطاء الزراعة. والرسالة المصرية يجب ألا تحتمل التأويل، سيناء ليست ساحة مفتوحة للرصد، وحدود مصر ليست مختبرا للمشروعات الإسرائيلية الناعمة، فما يبدو محراثا على الجانب الآخر قد يكون عينا متقدمة، ومصر لا تغفل عما يتحرك على أبوابها.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها