المصدر: المدن
هل تصبح المانشسترية عقيدة بريطانيا الجديدة مع برنهام؟
في مانشستر، ليست الثقافة نشاطاً يأتي بعد انتهاء العمل، بل طريقة للعمل ورؤية إلى العالم. فمن مصانع الثورة الصناعية إلى النوادي الموسيقية، ومن مدرجات كرة القدم إلى استوديوهات التلفزيون، اعتادت المدينة مواجهة أزماتها بإعادة ابتكار نفسها. واليوم تصل هذه الروح إلى مقر رئاسة الحكومة، بعد أن أصبح آندي برنهام رئيساً لوزراء بريطانيا خلفاً لكير ستارمر.
يحمل برنهام إلى داوننغ ستريت تجربة تبلورت خلال تسعة أعوام قضاها عمدة لمانشستر الكبرى. وقد تعهد بمواجهة غلاء المعيشة، وإصلاح الرعاية الاجتماعية، وإنهاء التشرد المزمن، وإحياء الصناعة، ومنح السلطات المحلية صلاحيات أوسع. إنها محاولة لنقل ما يمكن تسميته المانشسترية من شمال إنجلترا إلى المملكة كلها.
مدينة تحول الهامش إلى مركز
ولد برنهام عام 1970 في أِنْتري قرب ليفربول، وهو مشجع لنادي إيفرتون. دخل البرلمان عام 2001، وتولى مناصب حكومية في الخزانة ووزارتي الثقافة والصحة في عهد غوردون براون. لكن صوته السياسي اكتسب وضوحه الأكبر بعد أن غادر ويستمنستر وانتُخب عمدة لمانشستر الكبرى عام 2017. ولم تكن مغادرته البرلمان انسحاباً من السياسة الوطنية، بل طريقاً إلى إعادة بناء حضوره من خارج المركز.
برز ذلك، خصوصاً خلال جائحة كورونا، عندما قاوم شروط الحكومة المركزية لإغلاق المنطقة من دون توفير تعويضات كافية لسكانها. ومن تلك المواجهة جاء لقبه الإعلامي ملك الشمال، لكنها قدمته، بصورة أهم، سياسي يستمد شرعيته من المكان، لا من قربه من دوائر الحكم في لندن.
أما المانشسترية التي يمثلها، فإنها فلسفة مدنية تمزج الثقة بالنفس والابتكار الثقافي والتضامن الاجتماعي، وتفترض أن المدن قادرة على إنتاج حلولها بدلاً من انتظار وصفات المركز.
من الثقة الثقافية إلى السلطة المحلية
لم تبقَ المانشسترية هوية ثقافية أو شعورا بالفخر، بل تحولت في تجربة برنهام إلى مطالبة سياسية بأن تمتلك المدن أدوات إدارة شؤونها. وأبرز تطبيقات ذلك شبكة النحلة Bee Network ، التي أعادت حافلات مانشستر الكبرى إلى السيطرة العامة، ضمن مشروع لتوحيد وسائل النقل في شبكة تحمل رمز المدينة ولونها الأصفر.
بحلول يناير/ كانون الثاني 2025، أصبحت القرارات المتعلقة بجميع خدمات الحافلات المحلية تتخذ داخل مانشستر الكبرى، بعد عقود من تحرير القطاع وهيمنة الشركات الخاصة. وباتت السلطة المحلية تحدد الخطوط والمواعيد والتعرفة، بينما تتولى الشركات التشغيل بموجب عقود. ولم يكن التغيير إدارياً فقط، فقد عبر عن قناعة برنهام بأن النقل خدمة عامة تتيح الوصول إلى العمل والتعليم والصحة والثقافة، وليس مجرد نشاط تحكمه الجدوى التجارية.
تكشف التجربة جوهر مشروعه الوطني، نقل السلطة والموارد من المركز لندن إلى المدن والأقاليم، وربط التنمية بما يلمسه السكان في حياتهم اليومية. فالطموح المحلي لا يقاس بالمباني الفاخرة وحدها، بل بقدرة المواطن على الوصول إلى وظيفته أو مدرسته بتكلفة معقولة. ومن هنا تصبح مانشستر مختبراً لفكرة أوسع، مفادها أن تقليص الفجوة بين العاصمة وبقية مناطق بريطانيا يبدأ بمنح المجتمعات حق اتخاذ القرار.
حين يهدد النجاح صانعيه
لكن منح المدن سلطة أكبر لا يضمن وحده وصول مكاسب التنمية إلى جميع السكان. فالتجربة المانشسترية، على ما حققته من نجاح ثقافي واقتصادي، تكشف مفارقة يصعب تجاهلها، قد يؤدي ازدهار المدينة إلى إقصاء بعض الذين صنعوا هويتها.
فعندما تتحول الموسيقى والفنون إلى وسيلة لجذب الاستثمارات والسياح، ترتفع الإيجارات، وتغلق المساحات الصغيرة، ويجد الفنانون والشباب أنفسهم خارج المدينة التي أسهموا في صنع صورتها. لذلك لن يقاس نجاح برنهام بعدد المهرجانات والمنشآت الكبرى، بل بقدرته على حماية المساحات الثقافية المستقلة، وتوفير السكن الميسر، وتوجيه التمويل إلى الأحياء والفئات الأقل حضورا. فإذا كانت الثقافة بنية تحتية فعلا، فينبغي أن تبقى متاحة لمن ينتجونها، لا أن تصبح واجهة تسويقية.
وسيكون نقل التجربة إلى المستوى الوطني أكثر صعوبة، فإدارة الدولة تعني التعامل مع اقتصاد مثقل، وخدمات عامة متراجعة، وانقسامات حول الهجرة، فضلا عن الدفاع والعلاقات الخارجية. والتحدي ليس أن يجعل برنهام بريطانيا تشبه مانشستر، بل أن يحول روحها إلى سياسة وطنية تقوم على توزيع السلطة، وحماية الإبداع، وربط الثقافة بالصحة والتعليم والإسكان.
عندئذ لن يكون وصوله إلى داونينغ ستريت مجرد انتصار لسياسي طموح، بل انتقال للخيال السياسي من الهامش إلى المركز، ومحاولة لحكم بريطانيا بثقة مانشستر الجماعية، لا بعقل ويستمنستر وحده.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها