شفيق طاهر

السبت ١ آب ٢٠٢٦ - 10:22

المصدر: المدن

بين نطنز وديمونا: بدء سباق تخصيب اليورانيوم في الشرق الأوسط؟

لا يعني امتلاك مفاعل نووي امتلاك القدرة على تخصيب اليورانيوم. فالتخصيب عملية صناعية ترفع نسبة النظير يورانيوم-235 من مستواه الطبيعي إلى نحو 3–5% لتشغيل معظم المفاعلات، أو إلى مستويات أعلى قد تقترب من 90%، وهي النسبة المستخدمة عادة في صنع السلاح النووي.

ولا تحظر معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية على الدول غير النووية تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، شرط إعلان أنشطتها وإخضاعها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن تحظر أجهزة الطرد المركزي ذات استخدام مزدوج، إذ تستطيع إنتاج وقود المفاعلات، ثم إعادة تشغيلها على مراحل لبلوغ مستويات عسكرية. لذلك لا يدور الخلاف حول حق التخصيب وحده، بل حول نسبته وحجم المخزون وشفافية الدولة وسرعة انتقالها المحتملة إلى إنتاج مادة صالحة للسلاح.

ولا يستلزم تشغيل المفاعلات امتلاك منشآت للتخصيب، فدول كثيرة، بينها الإمارات وكوريا الجنوبية وإسبانيا والسويد وفنلندا، تنتج الكهرباء النووية باستخدام وقود مخصب تستورده من الخارج. لذلك فإن إصرار دولة على إنشاء دورة وقود محلية لا يمثل ضرورة فنية لإنتاج الكهرباء بقدر ما يشكل خياراً سيادياً واستراتيجياً، يمنحها معرفة مزدوجة الاستخدام وقدرة محتملة على الانتقال مستقبلاً من الوقود المدني إلى مستويات أعلى من التخصيب.

إيران تخصب وإسرائيل خارج المعادلة التقليدية

إيران هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك برنامجاً معلناً وموثقاً لتخصيب اليورانيوم، خصوصاً في منشأتي نطنز وفوردو. وقبل الضربات الإسرائيلية والأميركية في يونيو/ حزيران 2025، كانت قد أنتجت يورانيوم مخصباً بنسبة 60%، وهي نسبة لا تحتاج إليها محطات الكهرباء، وتفصلها خطوات تقنية محدودة عن مستوى تصنيع القنبلة.

وتعرضت منشآت نطنز وفوردو وأصفهان لأضرار كبيرة، لكن مصير قسم من أجهزة الطرد المركزي ومخزون اليورانيوم المخصب ظل غامضا، بالتزامن مع تراجع قدرة الوكالة الدولية على التحقق الميداني. وحتى إذا تعطلت المنشآت، فإن المعرفة العلمية والخبرة البشرية لا يمكن محوهما بالغارات. كما أن امتلاك مادة مخصبة لا يعني تلقائياً امتلاك قنبلة، إذ يتطلب ذلك مراحل إضافية، تشمل تحويل المادة وتصميم الرأس النووي وتطوير وسيلة إطلاقه.

وفي المقابل، لا يمكن بحث التوازن النووي من دون إسرائيل، الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك ترسانة نووية.

ولا توجد أدلة علنية حاسمة على امتلاك إسرائيل منشأة صناعية كبيرة لتخصيب اليورانيوم. ويعتقد أن برنامجها العسكري اعتمد أساسا على إنتاج البلوتونيوم في مفاعل ديمونا، الذي أنشئ بمساعدة فرنسية، ثم فصله من الوقود المستهلك. وهذا مسار مختلف عن التخصيب، لكنه يقود إلى النتيجة العسكرية نفسها.

من قد يتجه إلى التخصيب؟

السعودية هي المرشح الأبرز للمطالبة بقدرة تخصيب مستقبلية. فهي تخطط لبناء برنامج للطاقة النووية، وتريد استثمار مواردها من اليورانيوم وتطوير دورة وقود محلية. كما ربط مسؤولون سعوديون علنا موقفهم باحتمال حصول إيران على سلاح نووي. ومع ذلك، لا تشغل المملكة حالياً منشأة تخصيب معلنة، وسيعتمد مسارها على شروط تعاونها مع الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا، وعلى ترتيبات الرقابة الدولية.

أما تركيا فتمتلك قاعدة صناعية وعلمية متقدمة قد تسمح لها، على المدى البعيد، بتطوير أجزاء من دورة الوقود، لكنها لا تخصب اليورانيوم، ولا يوجد برنامج رسمي معلن لإنشاء منشأة تخصيب. كذلك لا تخصب مصر وباقي دول الشرق الاوسط اليورانيوم.

مفاعلات تبنيها القوى الكبرى

تؤدي الدول الموردة دوراً أساسياً في رسم الخريطة النووية الإقليمية. فقد ساعدت روسيا في بناء محطة بوشهر الإيرانية، وتتولى إنشاء محطة الضبعة المصرية ومفاعلات أكويو التركية. وأنشأت كوريا الجنوبية محطة براكة الإماراتية وساهمت في المفاعل البحثي الأردني. أما فرنسا فارتبط اسمها تاريخيا بمفاعل ديمونا الإسرائيلي ومفاعل تموز العراقي، في حين قدمت الولايات المتحدة مفاعلات بحثية وتدريبا وتقنيات لعدد من دول المنطقة. كما شاركت الصين والأرجنتين والاتحاد السوفييتي سابقا في إنشاء مفاعلات بحثية في دول عربية.

ولا تنتهي هذه العلاقة عند بناء المفاعل، إذ تمتد عقوداً عبر توريد الوقود والصيانة والتدريب وإدارة النفايات، وهذا ما يمنح الدول الموردة نفوذاً سياسياً واقتصادياً طويل الأمد.

لا يبدأ السباق النووي يوم تصنع القنبلة، بل عندما تقتنع دول المنطقة بأن أمنها يتطلب امتلاك القدرة على صنعها عند الضرورة. وبين تخصيب إيران، وغموض ترسانة إسرائيل، وطموحات السعودية، يقف الشرق الأوسط أمام خيارين، نظام رقابة واحد يشمل الجميع، أو منطقة تتكاثر فيها الدول النووية، حيث قد تكفي أزمة واحدة لتحويل المعرفة التقنية إلى قرار عسكري.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها