play icon pause icon
منى فياض

منى فياض

الأثنين ٣ آب ٢٠٢٦ - 08:57

المصدر: صوت لبنان

استعادة البطريرك الحويك لنقد تجربة لبنان الدولة

احتفال التطويب الذي جرى في الديمان كان كبيراً جداً من حيث الرمزية والحضور، واعتُبر محطة “تاريخية” لأن الحويّك يُنظر إليه كشخصية مؤسسة للبنان الكبير وليس فقط كرجل دين.

أشار انفجار التعليقات الى انقسام ضمني بين فريق يرى الحويّك مؤسساً وطنياً جامعاً (“أنا لكل اللبنانيين”)، وفريق آخر يعتبر سردية “لبنان الكبير” نفسها محل نقاش أو نقد. ما أعاد فتح سؤال قديم: هل لبنان “مشروع تاريخي ناجح” أم “كيان مأزوم منذ تأسيسه”؟
مشاركة السياسيين أفضت الى اعتبار البعض للحدث بمثابة إعادة إنتاج للشرعية السياسية عبر الرموز الدينية. وهذا حساس جداً في بلد يعاني أصلاً من الطائفية السياسية.

لا يمكن مقاربة السجال الذي رافق تطويب البطريرك الياس الحويك من زاوية دينية أو تاريخية صرفة، إذ إنّ ما كشف عنه هذا السجال، يتجاوز المناسبة نفسها ليطال البنية العميقة للوعي السياسي في لبنان. نحن أمام لحظة تتقاطع فيها ثلاثة عناصر: توهم القدرة، وتقديس السرديات المؤسسة، وغياب النقد الذاتي.
وهذه العناصر، مجتمعة، تشكّل مفتاحاً لفهم، ليس فقط، ردود الفعل على الحدث، بل طبيعة الأزمة اللبنانية ذاتها.

يقصد ب”وهم القدرة”، الاعتقاد بإمكانية إعادة تشكيل الواقع اللبناني، وفق إرادات أحادية أو مشاريع مكتفية بذاتها. هذا الوهم لم يكن حكراً على طرف دون آخر، بل تشاركته الجهات المتعارضة على اختلافها، حيث افترض كلّ منها امتلاك القدرة على فرض توازن جديد لصالحه، أو إعادة تعريف الكيان، أو القفز فوقه.
غير أنّ التجربة الميدانية، عبر عقود، كشفت حدود هذا الادعاء:
فلا القوى الداخلية استطاعت الحسم، ولا الارتباطات الخارجية أمّنت الاستقرار، ولم يَنتُج عنها سوى المزيد من التفكك والاهتراء. هنا يتبدّد وهم السيطرة الشاملة لصالح واقع من التداخل والتشظي.

ثم ومع انكشاف هذا الوهم، برزت آلية تعويضية تتمثل في استدعاء الرموز المؤسسة، وإضفاء طابع قدسي عليها. في هذا السياق، لا يُستعاد الحويّك كشخصية تاريخية ضمن شروطها وزمنها، بل يُعاد إنتاجه كرمز معياري متعالٍ على الزمن، يُستخدم لتثبيت سردية محددة عن لبنان. هذه العملية، تعيد تشكيل الماضي بطريقة انتقائية لتلبية حاجات الحاضر؛ لأن استدعاء الرمز الديني كمرجعية، تُغلق النقاش، وتحوّل الخيار السياسي إلى ميدان الأخلاق والقداسة.
غير أنّ هذه القداسة ليست بريئة سياسياً. فهي تزيح النقاش من السياسي الى الأحكام الأخلاقية، أي نقل الصراع من مستوى المصالح والبنى إلى مستوى القيم والولاءات.
وهنا تكمن المفارقة: بدل أن السؤال عن بنية النظام الطائفي ومحاصصاته، أو عن آليات الزبائنية، أو عن تداخل السلطة والمال، يُعاد طرح السؤال في صيغة أخلاقية: هل نحن أوفياء لإرث الحويّك؟ وهكذا يتحوّل النقاش من تحليل بنيوي إلى مساءلة الضمير، ما يفضي إلى تعويم المسؤوليات بدل تحديدها.

أخيراً والأهم، يكشف السجال عن غياب عميق للنقد الذاتي. إذ إنّ تحميل الحويّك مسؤولية ما آلت إليه الدولة يشكّل، في جوهره، آلية إسقاط جماعي، تُعفي الفاعلين من مساءلة خياراتهم. فالتجربة اللبنانية، منذ الاستقلال، شهدت سلسلة من الممارسات التي قوّضت فكرة الدولة: من ترسيخ الزبائنية، إلى توريث السلطة، إلى تحويل المؤسسات إلى أدوات خدمة خاصة، وصولاً إلى الارتهان لمحاور إقليمية متناقضة. هذه الممارسات لا يمكن اختزالها في لحظة تأسيسية، بل تعبّر عن مسار طويل من الانحراف عن مفهوم الدولة كمصلحة عامة.
تجذّرت هذه الممارسات في البنية الاجتماعية اللبنانية. فالزبائنية، مثلاً، ليست مجرد خيار سياسي، بل نمط متجذّر من العلاقات، يعيد إنتاج نفسه عبر الزمن، ويجعل من الصعب كسره دون تغيير في البنية الثقافية ذاتها.
من هنا، فإنّ غياب النقد الذاتي ليس مجرد تقصير فردي، بل جزءاً من منظومة بنيوية تُعيد تفسير الفشل بوصفه نتيجة لعوامل خارجية أو تاريخية، وليس نتيجة لممارسات داخلية مستمرة.

في الحالة اللبنانية هناك فشل مزمن في بناء هوية وطنية جامعة تقوم على سرديات مشتركة، فيتكشف الواقع عن تعدّد هذه السرديات وتنازعها، بحيث يصبح كلّ استدعاء لرمز مؤسس، بمثابة محاولة لفرض سردية على أخرى. وهنا، يتحول الحويّك من شخصية جامعة محتملة إلى نقطة انقسام، لأنّ استعادته لا تتم في إطار توافقي، بل ضمن صراع على تعريف معنى لبنان نفسه.

إنّ المفارقة الكبرى تكمن في أنّ الحويّك، بوصفه فاعلاً تاريخياً، كان يتحرك ضمن شروط معقدة، ويخوض مفاوضات، ويقرأ موازين القوى الدولية بعد سقوط السلطنة العثمانية. أما في الخطاب الراهن، فقد جرى تجميده في صورة أيقونية، منزّهة عن التعقيد.
هذا الانتقال من التاريخي إلى الرمزي يُفقد التجربة معناها، ويحوّلها إلى أداة خطابية أكثر منها مادة للتحليل.

وعليه، يمكن القول إنّ الأزمة اللبنانية، كما تكشفها هذه اللحظة، ليست فقط أزمة نظام أو توازنات، بل هي أيضاً أزمة وعي سياسي. إنها أزمة مجتمع يميل، عند مواجهة الانهيار، إلى الاحتماء بالرموز بدل تفكيك الأسباب، وإلى إسقاط المسؤولية على لحظة التأسيس بدل مساءلة المسار. وفي هذا المعنى، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل أخطأ الحويّك في تأسيس لبنان الكبير؟ بل: كيف جرى، عبر عقود، تفريغ فكرة الدولة التي ساهم في بلورتها من مضمونها؟

إنّ استعادة الحويّك يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة التفكير في لبنان كدولة، شرط أن تتم بوصفها قراءة نقدية لتجربة تاريخية، لا بوصفها إعادة إنتاج لسردية مقدّسة. أما إذا استمر التعامل مع الرموز بوصفها حقائق نهائية، فإنّ ذلك لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، وإطالة أمد الأزمة، عبر تأجيل المواجهة مع السؤال الأكثر
إلحاحاً: كيف يمكن بناء دولة في مجتمع يفتقر إلى ثقافة النقد الذاتي؟

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها