طارق الشامي

الثلاثاء ٤ آب ٢٠٢٦ - 18:20

المصدر: independent عربية

نفوذ إسرائيل يتضاءل في الداخل الأميركي أمام خطوط ترمب الحمراء

على مدى عقود، ساد اعتقاد في الشرق الأوسط، عززه خصوم الولايات المتحدة وبعض أنصارها، بأن إسرائيل هي التي ترسم حدود السياسة الأميركية في المنطقة، وأن واشنطن تتحرك غالباً وفق الحسابات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، لكن الضربات الجوية الأميركية الأخيرة ضد إيران التي استمرت 13 يوماً من دون مشاركة إسرائيلية، ثم قرار الرئيس ترمب مساء السبت الماضي إلغاء أكبر حملة قصف مشتركة مع تل أبيب ضد إيران، أعادت التساؤل حول مدى نجاح إسرائيل في توجيه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وما إذا كان الزخم والتأثير الذي كثيراً ما تمتعت بهما إسرائيل منذ تأسيسها يتضاءل بسرعة الآن.

عقود من النفوذ
على عكس ما يعتقد كثير، بدأ النفوذ الإسرائيلي في التبلور داخل أروقة الحكم الأميركية في وقت مبكر للغاية عقب إعلان تأسيس إسرائيل في عام 1948، وهو ما يشير إليه الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور في مذكراته، إذ أوضح أنه حينما وقعت المواجهة التاريخية خلال أزمة السويس في عام 1956، عقب الغزو الإسرائيلي المشترك لمصر مع بريطانيا وفرنسا، وطالب أيزنهاور رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون بسحب القوات الإسرائيلية من شبه جزيرة سيناء، تردد بن غوريون، ولجأ بدلاً من ذلك إلى حشد حلفاء إسرائيل الدبلوماسيين والجالية اليهودية الأميركية للضغط على الكونغرس.

شعر أيزنهاور بصدمة كبيرة من السرعة والفعالية الهائلتين اللتين حشد بهما حلفاء إسرائيل مجلسي النواب والشيوخ لمعارضة السياسة الخارجية الرئاسية، فقد عارض قادة الحزبين في الكونغرس علناً، بمن فيهم زعيم الغالبية القوية في مجلس الشيوخ آنذاك ليندون جونسون، تهديد أيزنهاور بقطع المساعدات الأميركية وفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل.

وعلى رغم تمسك أيزنهاور بموقفه، وتهديده بالظهور على شاشة التلفزيون الوطني للكشف عن القضية مباشرة للرأي العام الأميركي، مما أجبر بن غوريون على الانسحاب من سيناء، إلا أن التأثير الإسرائيلي كان طاغياً منذ أمد بعيد كما تشير دراسة في جامعة إيموري، للدرجة التي أدهشت أيزنهاور وعدد من القادة الأميركيين من قدرة دولة أجنبية على استغلال نفوذها السياسي الداخلي لقلب الكونغرس ضد قائده الأعلى خلال أزمة دولية كبرى.

 

رصيد استراتيجي
مع الوقت وبفضل النفوذ المتعاظم للجالية اليهودية في أميركا، أصبحت إسرائيل حليفاً ورصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة في أعوام قليلة. فقبل عام 1967، فرضت الولايات المتحدة حظراً على توريد الأسلحة إلى الشرق الأوسط لتجنب تأجيج سباق تسلح إقليمي، لكن انتصار إسرائيل السريع على الدول العربية (مصر وسوريا والأردن) غير بصورة جذرية موقف واشنطن خلال الحرب الباردة، إذ تحولت الولايات المتحدة من موقف حذر إلى اعتبار إسرائيل رصيداً استراتيجياً إقليمياً في مواجهة الدول العربية المدعومة من الاتحاد السوفياتي، وبدأت بعدها تزويد إسرائيل بأسلحة هجومية متطورة، وأرست قاعدة الحماية الدبلوماسية لإسرائيل في الأمم المتحدة باستخدام حق النقض “الفيتو” الذي استعملته بنسبة 55 في المئة لصالح إسرائيل فقط من إجمالي استخداماتها له منذ تأسيس المنظمة الدولية.

وفي عهد إدارتي ليندون جونسون وريتشارد نيكسون، رسخت الولايات المتحدة سياسة الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، بما يضمن هيكلياً حصول إسرائيل على أنظمة أسلحة أكثر تطوراً من أية مجموعة من جيرانها الإقليميين.

تأثير عميق
خلال العقود التالية، أثبتت إسرائيل المرة تلو الأخرى أن نفوذها وصل إلى حد اعتقاد النخبة السياسية في واشنطن أنها قادرة على تشكيل وتوجيه السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، الذي أثبتته كثير من الأحداث الفاصلة. فعلى سبيل المثال، شنت إسرائيل منفردة غارة جوية بطائرات إف-16، مما أدى إلى تدمير مفاعل أوزيراك النووي العراقي الذي كان قيد الإنشاء، متجاهلة التحذيرات الدبلوماسية الأميركية الأولية من تصاعد عدم الاستقرار الإقليمي، وأسس هذا الحدث ما يسمى بـ”عقيدة بيغن”، وهو إعلان بأن إسرائيل لن تسمح لأي جار بامتلاك أسلحة دمار شامل.

ردت إدارة الرئيس رونالد ريغان في البداية بغضب شديد، فجمدت تسليم مزيد من طائرات “أف 16” وصوتت لصالح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 487، الذي دان الهجوم، ومع ذلك نجحت إسرائيل في ترسيخ مفهوم الردع الاستباقي الأحادي الجانب لمكافحة الانتشار النووي، مما تسرب تدريجاً إلى التفكير الاستراتيجي الأميركي الأوسع نطاقاً في منطقة الشرق الأوسط، وجر موقف إسرائيل العدائي تجاه خصومها الإقليميين الولايات المتحدة بصورة منهجية إلى عقيدة تغيير الأنظمة. وبمرور الوقت، بدأ صانعو السياسة الأميركيون ينظرون إلى الشرق الأوسط من خلال منظور مكافحة الانتشار النووي، مما مهد الطريق بقوة لغزو العراق في ما بعد عام 2003.

وبحلول أواخر ثمانينيات القرن الماضي، توقفت واشنطن عن إدانة هذه الأعمال وبدأت بدمج الاستخبارات الإسرائيلية بطريقة فعالة في استراتيجياتها الدفاعية الإقليمية الاستباقية.

ويعد تخريب الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 دليلاً حياً آخر على مستوى نفوذ تل أبيب، فقد مارس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطاً مباشرة على الكونغرس الأميركي والرأي العام في إطار حملة منظمة لتخريب خطة العمل الشاملة المشتركة المعروفة باسم اتفاق إيران النووي، التي أبرمتها إدارة أوباما مع إيران في عام 2015، وبلغت تلك الحملة ذروتها في خطاب نتنياهو أمام الكونغرس في ذلك العام لمعارضة الاتفاق النووي.

أثر هذا الضغط المستمر بصورة كبيرة في إدارة الرئيس دونالد ترمب الأولى، مما دفعها إلى الانسحاب الأحادي من خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2018، وتبني حملة “الضغط الأقصى” ضد طهران، وبهذا شكلت إسرائيل مثالاً صارخاً على تعاونها المباشر مع الفصائل الداخلية الأميركية، واستغلال الانقسامات الحزبية الداخلية للضغط على السياسة الخارجية الأميركية، بل وقلب السياسة المعلنة لرئيس أميركي في منصبه.

ولم يقتصر التأثير الإسرائيلي على أوجه التعاون السياسي والعسكري والاستخباري، بل امتد إلى الدعم الاقتصادي الذي تبلور من خلال مذكرة تفاهم بين البلدين في عهد أوباما ضمنت أن يجري التفاوض كل 10 أعوام، على مساعدات أميركية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار على مدى عقد من الزمن، وهو تمويل فريد من نوعه لأنه محمي قانوناً من الشروط المعتادة المتعلقة بحقوق الإنسان أو الشروط الإقليمية التي تفرض على المساعدات الخارجية المقدمة لأية دولة أخرى.

كيف تصاعد الضغط؟
بدلاً من أن تعمل إسرائيل كقوة أجنبية تملي الشروط، فإنها توجه السياسة الأميركية من خلال شبكة متطورة من الجماعات السياسية الأميركية المحلية، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك).

وفي كتابهما “جماعات الضغط الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأميركية”، يجادل جون ميرشايمر وستيفن والت بصفتهما من أبرز الأكاديميين المتخصصين بالضغوط السياسية المحلية في الولايات المتحدة، بأن جماعات الضغط الإسرائيلية تعمل كأية جماعة مصالح خاصة محلية قوية أخرى (مثل الرابطة الوطنية للبندقية أو جمعية المتقاعدين الأميركية). لكن نفوذ جماعات الضغط الإسرائيلية تضمن أن الدعم المادي والدبلوماسي الأميركي لإسرائيل، لا يمكن تفسيره فقط على أسس استراتيجية أو أخلاقية، مما يجعل دعم واشنطن غير المشروط لتل أبيب بمنأى عن الرقابة الديمقراطية المعتادة.

تراجع نسبي
غير أن الهجمات الساحقة الإسرائيلية على غزة والتدمير الكامل للحياة في القطاع ومقتل عشرات الآلاف من الأبرياء والأطفال والنساء، عقب هجوم “حماس” على بلدات إسرائيلية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أحدث تحولاً ملاحظاً في الرأي العام الأميركي حيال إسرائيل، إذ تجاوز مؤيدو الفلسطينيين للمرة الأولى من يؤيدون إسرائيل وسياساتها، وأصبحت عمليات تمويل أعضاء الكونغرس الأميركي من لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل معقدة ومربكة، لدرجة أن بعض أعضاء الكونغرس رفضوا هذا التمويل.

عزز هذا التحول الذي يبدو ظاهراً في أقصى اليمين واليسار الأميركي على حد سواء، من قدرة صناع القرار الأميركي والبيت الأبيض على مقاومة النفوذ الإسرائيلي وتصرف واشنطن وفقاً لحساباتها الاستراتيجية التي تنطوي على مصالح أميركية بحتة كقوة عظمى، وليس استجابة للمطالب الإسرائيلية.

ويسلط الانقسام الكبير بين الديمقراطيين في مجلس النواب حول دعم إسرائيل الضوء حول مدى تغير المزاج الأميركي، بخاصة في المعسكر الديمقراطي حيال دعم إسرائيل اللا مشروط. فقد صوت أكثر من 100 ديمقراطي في مجلس النواب في الفترة الأخيرة على خفض جوهري أو فرض شروط صارمة تتعلق بحقوق الإنسان على حزمة المساعدات الأمنية السنوية لإسرائيل البالغة 3.3 مليار دولار، وهو تحد تشريعي غير مسبوق للمؤسسة السياسية التقليدية.

وجادل مشرعون مثل النائب دون باير بأن الوقت قد حان لكي تعيد الولايات المتحدة تقييم علاقتها الأمنية مع إسرائيل بصورة جذرية، وضرورة أن تعطي الولايات المتحدة الأولوية لقيمها ومصالحها، بما في ذلك الاعتبارات الإنسانية والقانون الدولي، بدلاً من تقديم تمويل غير مشروط لحكومة أجنبية تتجاهل قيادتها النصائح الأميركية.

بداية غير النهاية
وبينما بدأ البلدان الحرب معاً بضربات مدمرة على إيران في الـ28 من فبراير (شباط) 2026، تباينت أهدافهما بصورة حادة، إذ سعت واشنطن مراراً إلى مخرج دبلوماسي تفاوضي وخفض التصعيد لحماية أسواق الطاقة العالمية ومصالحها الإقليمية، في مقابل إصرار تل أبيب على احتواء عسكري كامل لإيران، لا سيما في ما يتعلق بوكلاء طهران الإقليميين.

وبعد أسابيع من التداعيات الاقتصادية الإقليمية المدمرة بما في ذلك إغلاق إيران لمضيق هرمز، أعطت الولايات المتحدة الأولوية لوقف الأعمال القتالية وفتح قنوات دبلوماسية، في حين رأت إسرائيل في الهدنة المبكرة فرصة لطهران لإعادة تنظيم صفوفها وإعادة تسليحها.

وفي السابع من أبريل (نيسان) 2026، جرى التوصل إلى وقف هش لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية، ومضى الرئيس دونالد ترمب قدماً في الهدنة على رغم استبعاد نتنياهو تماماً من المفاوضات المباشرة.

حاول الإسرائيليون بعد ذلك تخريب الجبهة اللبنانية لإفساد اتفاق الإطار الذي وقعه ترمب مع إيران، بالنسبة إلى طهران، فبينما كانت الولايات المتحدة ترغب في تهدئة شاملة، وكان أحد شروط وقف إطلاق النار هو وقف إقليمي أوسع للقتال، أصرت إسرائيل على أن حملتها ضد “حزب الله”، ضرورة دفاعية منفصلة تماماً ولن تخضع لإملاءات واشنطن، وقد أمر نتنياهو بأكثر من 100 غارة جوية انتقامية على بيروت، وشن هجوماً برياً على جنوب لبنان، مما قوض المسار الدبلوماسي الذي تقوده الولايات المتحدة بصورة مباشرة، وأثار نقمة الرئيس ترمب ونائبه جي دي فانس الذي بدأ في انتقاد صريح لإسرائيل من أجل ردعها عن محاولات تخريب الاتفاق.

وطوال شهر يوليو (تموز)، شهدت خطط الجيش الأميركي الأولية تحولات جذرية بين الاستعداد لحملات قصف مشتركة واسعة النطاق تستهدف مصافي النفط الإيرانية، والتريث للحفاظ على النفوذ الدبلوماسي، لكن إسرائيل مارست ضغوطاً متواصلة على البيت الأبيض لتنفيذ هذه الضربات المدمرة بهدف كسر شوكة النظام الإيراني.

وقبل أسبوع، وصل نتنياهو إلى واشنطن لمواصلة الضغط على الولايات المتحدة لشن حملة عسكرية تدميرية قصوى ضد البنية التحتية للطاقة الإيرانية، غير أن ترمب ألغاها وطالب إسرائيل بالالتزام بقراره في محاولته التمسك بمذكرة التفاهم الموقعة في يونيو (حزيران)، مما خلق حالة من التجاذب والتنافر المستمرة والمتقلبة للغاية بين الحليفين.

تباين في المواقف والأهداف
تكشف شواهد كثيرة عن التباين الأميركي – الإسرائيلي في المواقف والأهداف، فقبل أسابيع أعلن ترمب من جانب واحد إطار عمل شامل لغزة يتضمن النشر التدريجي لقوة دولية والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من القطاع، وعلى رغم رفض كبار المسؤولين الإسرائيليين الانسحاب، مضت واشنطن قدماً في تنفيذ إطار العمل بالتعاون مع شركاء إقليميين مثل الأردن ومصر وقطر.

وحتى وقت قريب، عارض نتنياهو بشدة خطط الولايات المتحدة المحتملة لبيع طائرات “أف-35” الشبحية المتطورة إلى تركيا، كونها تشكل تهديداً للتفوق العسكري النوعي لإسرائيل، لكن الرئيس الأميركي رفض علناً اعتراضات تل أبيب، مصرحاً للصحافيين بوضوح ألا أحد يملي مبيعات الأسلحة الأميركية سواه.

وخلال الأسبوع الماضي، سعت واشنطن جاهدة لإبرام اتفاق نووي مدني مع السعودية، فيما حذر مسؤولون أمنيون إسرائيليون من أن هذا قد يشعل سباق تسلح نووي إقليمي. ومع ذلك مضت الولايات المتحدة قدماً في المفاوضات لأن تأمين تحالف استراتيجي طويل الأمد مع الرياض يتماشى مع أهدافها الأساسية في مجالي الطاقة والدفاع، مما يؤكد أن العلاقة بين أميركا وإسرائيل هي تحالف قائم على المصالح، وغالباً ما يكون متوتراً، لكنه ليس تحالفاً تملي فيه إسرائيل شروطها.

موازنات واشنطن
قرار الرئيس ترمب بإلغاء الضربات العسكرية الضخمة المخطط لها ضد إيران يؤكد أن الولايات المتحدة تتصرف وفقاً لمصالحها السيادية العالمية، وأن إسرائيل التي جرى إخطارها بالالتزام بالقرار الأميركي، لا تملي عليها ما يجب فعله، إذ إن واشنطن توازن بين الضغوط الإقليمية والحسابات الداخلية وواقع كونها قوى عظمى لها حساباتها الخاصة حول العالم.

وإذا كان العسكريون الأميركيون والإسرائيليون أكملوا خططهم لما وصف بحملة قصف مكثفة تستهدف البنية التحتية للطاقة في إيران، فقد اختارت الولايات المتحدة مساراً دبلوماسياً مفاجئاً مشروطاً باتفاق سريع، لأن توجيه ضربة مباشرة إلى البنية التحتية النفطية الإيرانية كان سيؤدي إلى ارتفاع كارثي في أسعار النفط العالمية، ويحفز إيران على الرد بطريقة غير متكافئة ضد القواعد الأميركية في المنطقة.

وبدا من الواضح بالنسبة إلى الرئيس ترمب تفضيله مصالح الحلفاء العرب على الرغبات الإسرائيلية، فقد أقر ترمب علناً بأن قراره بوقف الضربات التي كانت ستضاهي ضربات الحرب العالمية الثانية، تأثر بصورة كبيرة بتدخل دبلوماسي مكثف من الشركاء العرب في الخليج، وبخاصة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب قادة من قطر والإمارات، الذين طالبوا الرئيس الأميركي بالتريث وتغليب استقرار الإقليم ومنح إيران فرصة أخرى للتوصل إلى اتفاق، مما سلط الضوء على مدى النفوذ الذي يتمتع به الشركاء العرب الآن عندما تكون المصالح العالمية للولايات المتحدة على المحك، وهو ما يتنافس بصورة مباشرة مع تطلعات إسرائيل الأمنية، ويؤكد حقيقة أن واشنطن تتصرف وفقاً لحساباتها الاستراتيجية التي تنطوي على مصالح بحتة كقوة عظمى، وليس استجابة للمطالب الإسرائيلية.

أميركا أولاً
بينما توفر الولايات المتحدة درعاً لإسرائيل في الأمم المتحدة، فإن السياسة الخارجية الأميركية مدفوعة بصورة متزايدة بسياسات ومواقف “أميركا أولاً” القائمة على المصالح كما يقول إيان بريمر رئيس مجموعة أوراسيا، فعندما تهدد الأعمال الإسرائيلية المصالح الأميركية العالمية الأوسع نطاقاً بصورة مباشرة، مثل جر الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية لا يمكن السيطرة عليها أو تعطيل طرق التجارة الدولية، تتدخل واشنطن لرسم خطوط حمراء حازمة.

ولا يمكن إنكار حقيقة أن الرئيس ترمب معني جداً بالاقتصاد الأميركي وأسعار الطاقة والغذاء التي ستؤثر حتماً في فرص المرشحين الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، ولهذا ابتهل ترمب بالتأثير الفوري في أرض الواقع من تراجع أسعار النفط العالمية (خام برنت) بصورة حادة بنسبة تتراوح بين أربعة وخمسة في المئة فور إعلان إلغاء قصف إيران موقتاً.

وبالنسبة إلى رئيس أميركي يركز بشدة على الاقتصاد وأسعار البنزين المحلية، أصبح استقرار سوق الطاقة العالمية ومضيق هرمز أولوية قصوى على تنفيذ عملية عسكرية مشتركة مع إسرائيل.

وضع جديد
ربما يعني ذلك صعوبة استدامة التحالف الأميركي – الإسرائيلي إلى مدى بعيد على رغم احتفاظ اللوبي الإسرائيلي بقدر كبير من نفوذه في واشنطن، إذ يشير رام إيمانويل رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض السابق إلى أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، لأنه يتعين على إسرائيل أن تتحول إلى شريك دبلوماسي حقيقي يعمل ضمن أطر أوسع تقودها الولايات المتحدة، بدلاً من اتخاذ إجراءات أحادية الجانب في الضفة الغربية تقوض بصورة مباشرة أهداف السلام الأميركية طويلة الأجل.

وعلى رغم تأكيد جون ميرشايمر وستيفن والت، مؤلفا كتاب “جماعات الضغط الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأميركية”، أن جماعات الضغط الإسرائيلي مثل لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) تمارس ضغوطاً على واشنطن لحملها على اتخاذ إجراءات غالباً ما تتعارض مع المصالح الوطنية الأميركية الفعلية، إلا أنهما يقران بأن الولايات المتحدة تتصرف بصفتها القوة السيادية المطلقة، فواشنطن ليست خاضعة لسيطرة إسرائيل، بل تختار التوافق معها وفقاً لحسابات سياسية داخلية.

كذلك يحذر تقرير من معهد كوينسي للحكم من أن الدعم المطلق لإسرائيل يعمق مشكلات أميركا في الشرق الأوسط، لأنه عندما تسمح الولايات المتحدة لإسرائيل بالسعي وراء أهداف عسكرية قصوى، فإن ذلك يأتي بنتائج عكسية على صدقية الولايات المتحدة وأمنها، مما يجبر واشنطن على العودة للدبلوماسية المستقلة.

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها