المصدر: صوت لبنان
أزمة هرمز والدرس الصيني: كيف يحمي العرب ثرواتهم من صدمات الجغرافيا؟
أعادت التوترات المرتبطة بمضيق هرمز إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يتعلق بأمن الطاقة العالمي وقدرة الدول على التعامل مع الصدمات الجيوسياسية. فالمضيق الذي يمر عبره نحو خمس الاستهلاك النفطي العالمي وحصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، لا يمثل مجرد ممر بحري، بل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. ومع كل تهديد أو اضطراب يطاله، تتجه الأنظار إلى الدول الأكثر اعتماداً على هذه الإمدادات، وفي مقدمتها الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم.ورغم أن بكين تبدو للوهلة الأولى من أكثر المتضررين من أي إغلاق أو تعطيل للمضيق، فإن التجربة الأخيرة أظهرت قدرة لافتة على احتواء التداعيات وتخفيف آثارها الاقتصادية. ولم يكن ذلك نتيجة إجراءات طارئة اتخذت في لحظة الأزمة، بل ثمرة استراتيجية طويلة الأمد قامت على مبدأ بسيط: الاستعداد المسبق هو أفضل أدوات مواجهة المخاطر.
فعلى مدى سنوات، راكمت الصين احتياطيات نفطية ضخمة تُقدّر بما يقارب مليار برميل أو أكثر بين المخزون الاستراتيجي والتجاري، بما يؤمن لها هامش أمان يمتد لأشهر. كما عملت على تنويع مصادر الاستيراد، فوسعت اعتمادها على روسيا وآسيا الوسطى عبر خطوط أنابيب برية تقلل من مخاطر الاختناقات البحرية، ووزعت وارداتها على مناطق جغرافية متعددة بدلاً من الاعتماد المفرط على مصدر واحد.إلى جانب ذلك، استثمرت بكين بكثافة في تنويع مزيج الطاقة لديها، عبر التوسع في الطاقة النووية والمتجددة والغاز الطبيعي، إضافة إلى التحول المتسارع نحو النقل الكهربائي. ونتيجة لذلك، لم يعد النفط يشكل العنصر الوحيد الحاكم لحركة الاقتصاد الصيني كما كان الحال قبل عقود، ما منح صناع القرار مرونة أكبر في التعامل مع تقلبات الأسواق العالمية.
لقد أثبتت الأزمة أن الدول التي تستثمر في بناء المرونة الاستراتيجية تستطيع تحويل الصدمات إلى تحديات قابلة للإدارة، بينما تجد الدول التي تعتمد على الحلول الآنية نفسها رهينة التطورات الخارجية.من هنا تبرز أهمية الدرس بالنسبة للعالم العربي. فالمنطقة تمتلك جزءاً كبيراً من الاحتياطيات النفطية والغازية العالمية، وتنتج ملايين البراميل يومياً، لكنها ما زالت تعتمد بصورة واسعة على عدد محدود من الممرات البحرية لتصدير هذه الثروات. وهذا يعني أن أي اضطراب جيوسياسي أو أمني قد يتحول سريعاً إلى تهديد مباشر للعائدات المالية والاستقرار الاقتصادي.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الموارد الموجودة تحت الأرض، بل في القدرة على ضمان استمرار تدفقها إلى الأسواق العالمية مهما كانت الظروف. لذلك فإن الحاجة باتت ملحّة لتطوير رؤية عربية أكثر شمولاً لأمن الطاقة، تقوم على تعزيز خطوط الأنابيب البديلة، وتوسيع السعات التخزينية الاستراتيجية، وتطوير الموانئ والمنشآت اللوجستية خارج مناطق الاختناق الجغرافي، إضافة إلى بناء شراكات إقليمية تسمح بتكامل أكبر في إدارة المخاطر والأزمات.كما أن الاستثمار في الصناعات التحويلية المرتبطة بالطاقة، وفي مصادر الطاقة المتجددة، يشكل بدوره جزءاً من منظومة الحماية الاقتصادية. فكلما ازدادت قيمة ما يُنتج محلياً، تراجعت درجة الاعتماد على تصدير المواد الخام وحدها، وارتفعت قدرة الاقتصادات على الصمود أمام الاضطرابات الخارجية.
لقد أظهرت الصين أن الثروة الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الموارد التي تمتلكها الدول، بل بمدى جاهزيتها لحمايتها وضمان استمرار تدفقها. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يستوعبه العالم العربي في مرحلة تتزايد فيها المخاطر الجيوسياسية وتتعاظم فيها أهمية الأمن الاقتصادي.
إن حسن الاستعداد يقي الصدمات، والتخطيط الاستراتيجي يختصر كلفة الأزمات، أما الاكتفاء بالاعتماد على الموقع الجغرافي أو وفرة الموارد فليس ضمانة دائمة. وفي عالم سريع التحول، لم يعد السؤال كم نملك من النفط والغاز، بل كيف نؤمن وصولهما إلى الأسواق في كل الظروف. هنا تحديداً يبدأ أمن الثروة، وهنا أيضاً يكمن التحدي الأكبر أمام الدول العربية في العقود القادمة.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها