توفيق الهندي

الجمعة ٨ كانون الثاني ٢٠٢١ - 15:55

المصدر: المركزية

إعادة إنتاج السلطة… كيف ومتى؟

الكل من ثوار حقيقيين وغير حقيقيين ومعارضين سياديين وغير سياديين يطالبون بإعادة إنتاج السلطة لتحقيق أهداف قد تكون متباينة.

من البديهي القول أن إعادة إنتاج السلطة مرتبط بموازين القوى وليس مجرد شعار نظري أو شعبوي لكسب سياسي شخصي آني أو تحريضي دون أفق وإمكانية لتحققه.

من نافل القول أيضا” أن مكونات ميزان القوى متعددة وذات تأثير متبادل فيما بينها، وهي داخلية وخارجية، عسكرية-أمنية وسياسية وشعبية وتنظيمية ومالية وإجتماعية،و… غير أن المكون العسكري-الأمني هو المكون الرئيسي ولا سيما في بلد السلاح غير الشرعي مهيمن على سلاح الدولة ومستتبعه.

ثمة من يطرح إستقالة رئيس الجمهورية كمدخل لإعادة إنتاج السلطة كونه المسؤول الأول عن وضع البلاد وحليف حزب الله الأساسي والذي يعطيه الغطاء المسيحي. لن أتعمق كثيرا” لتبيان قصور هذا الطرح لأنه ثمة إستحالة لتحقيقه سياسيا” وشعبيا” حتى عبر مسيرة مليونية تطالب بالإستقالة على أبواب بعبدا. الرئيس عون لن يستقيل وهو إن أراد يمنعه حزب الله من ذلك، وهذا الأخير قادر على منعه. من ناحية أخرى، لا شك أن البديل عنه هو جبران باسيل الذي فضّل حزب الله على أميركا عندما خيّر بينهما. وحزب الله يمتلك الأغلبية النيابية لإنتخابه وبري لا يمكنه مناقضة حزب الله إذا طلب منه أن يفسر المادة 49 من الدستور عبر مكتب المجلس بإمكانية إنتخاب الرئيس بالأغلبية العادية. وما هّم حزب الله إذا رئيس جمهورية لبنان واقع تحت العقوبات الأميركية (التي قد لا تدوم مع بايدن)؟! العكس صحيح لأن هذه العقوبات تجعل باسيل أكثر حاجة” لحزب الله وإلتصاقا” به للذهاب بلبنان شرقا”.

أما الطرح الثاني، فهو طرح حكومة مستقلين أو غير حزبيين أو حكومة مهمة كما يطرحها الرئيس الفرنسي ماكرون. فهو أيضا” مستحيل التحقيق ليس فقط لتناقض مصالح أطراف الطبقة السياسية المارقة (وهم من غير اللاعبين بل الملعوب بهم!) بل أساسا” لأن تشكيل الحكومة مرتبط بإرادة حزب الله وموقفه من صندوق النقد الدولي والدفاع عن فساد مكونات هذه الطبقة، وهو منها ولها، والأهم إنتظار تحديد بايدن لسياسته تجاه إيران للبناء على الشيئ مقتضاه من حيث طبيعة الحكومة. في مطلق الأحوال، لن يقبل حزب الله بتشكيل حكومة ليس فقط لا يتمثل فيها، إنما ليس له اليد الطولى فيها. هل هو قادر على ذلك؟! نعم لأنه يمتلك السلاح والسطوة الكاملة على الطبقة السياسية، وإن سمح لبعض مكوناته أن تعارض شكليا” بعض توجهاته للحفاظ على بعض شعبيتها وبعض علاقاتها العربية والدولية (وهذا أمر يفيده). كما يمتلك الأغلبية النيابية التي لا حكومة دون ثقتها. وإستطرادا”، إذا إفترضنا أن أحدهم أصبح وزيرا”، وهو “آدمي” وذات إختصاص ومن صفوف الثورة، ماذا عساه أن يفعل وإدارة وزارته من أعلى الهرم إلى إسفله تنتمي إلى هذا “الزعيم” أو ذاك؟!

أما الطرح الثالث، فيعتبر أن المدخل لإنتاج سلطة بديلة يكون من خلال إنتخابات نيابية مبكرة ينتج عنها أغلبية جديدة فرئيس جديد وحكومة جديدة. إن هذا الطرح نظري وشعبوي. بإختصار، للأسباب الواردة أعلاه، وطالما حزب الله يحتفظ بسلاحه وبالتالي على سطوته الكاملة على الدولة اللبنانية بمؤسساتها وإداراتها وأجهزتها كافة، لماذا يخاطر ولو بواحد بالمئة بأي إنتخابات مبكرة أو غير مبكرة يمكن أن تقوي أخصامه أو تفقده الأغلبية النيابية التي من خلالها يتحكم بالمسارات والآليات الدستورية وبالمؤسسات الدستورية الثلاث؟! فالبديل عنده هو تمديد ولاية البرلمان. وما أسهل إختلاق المبررات (أحداث أمنية، خلاف حول قانون الإنتخاب،…)!

أما إذا إفترضنا المستحيل بأن يقبل حزب الله بإجراء إنتخابات نيابية وفق أي قانون إنتخابي كان تحت ضغط الخارج، فلن يكون التغيير ذات شأن من حيث تمثيل الثورة، ولو حصّلت هذه الأخيرة بعض النجاحات المحدودة. فلا يزال حزب الله والطبقة السياسية المارقة بمكوناتها كافة تمتلك عناصر القوة التالية: السلاح، المال، التنظيم، الخبرة بالإنتخابات، الماكينات الإنتخابية، الدولة العميقة وأخيرا” غباء بعض الحالات الشعبية الغنمية التي تؤلّه “زعيمها” الفاسد الذي “بياكل وبتطعمي”.

بالإضافة إلى هذه “المخارج” الثلاثة، نسمع طروحات خارج الموضوع من نوع “أزمة نظام” أو “عقد إجتماعي جديد” أو “تقسيم” أو “فيديرالية” أو…

المهم أن سرعة الإنهيار تتعدى بزمان أي محاولة تغيير الوضع من خلال المسارات الدستورية وأي إستراتيجيات تغيير متوسطة أو طويلة الأمد.  

فلا قدرة لبنانيا” تحت هذه السلطة الرعناء بمعالجة الأوضاع الإقتصادية والمالية والبيئية والإجتماعية والمعيشية والإنسانية…

ولا قدرة لقوى الثورة أن تحدث التغيير بالسرعة المطلوبة حتى لو توحدت صفا” وبرنامجا” ونزلت إلى الشارع بمظاهرات مليونية. فعند الحاجة، تقمع مسيرتها بالقوة.

لذا لبنان ذاهب إلى الصوملة الكاملة والنهائية، مما سوف يحوله إلى قنبلة موقوتة تهدد الأمن والإستقرار والسلام الدولي والإقليمي: الطرف الوحيد الذي سيزداد قوة” وفعالية” هو حزب الله في بحر من الفوضى بالإضافة إلى إمكانية كبيرة لتطور دراماتيكي خطير لوضع النازحين السوريين  واللاجئين الفلسطينيين، من حيث إختراقهم من قوى إسلامية متطرفة أم من حيث هجرتهم غير الشرعية إلى أوروبا بالإضافة إلى بعض اللبنانيين . 

فمن الواضح أن اللبنانيين بات لا قدرة لهم على حكم أنفسهم بأنفسهم.

الحل الوحيد هو بتدويل الوضع اللبناني (وبالطبع ليست السلطة المارقة القابضة على مقاليد ما تبقى من الدولة من سوف يطالب بالتدويل). كيف؟ عبر:

1- وضع القرارين 1559 و 1701 تحت الفصل السابع.

2- وضع لبنان تحت الإنتداب الدولي وفق الفصل 12 و 13 من شرعة الأمم المتحدة أو مقاربة وضعه تحت الإنتداب من باب وحشية السلطة تجاه الشعب اللبناني وإخلال الدولة بواجباتها تجاه شعبها بضربها عرض الحائط شرعة حقوق الإنسان.

3- تشكيل سلطة عسكرية-مدنية مؤقتة تعمل تحت إشراف الإنتداب الدولي، تعلق الدستور وتقتلع رواسب محاصصات الطبقة السياسية المارقة من مؤسسات الدولة كافة.

4- عند إتمام السلطة المؤقتة عملها التطهيري، وفقط عند إتمامه، يعاد إلى العمل بالدستور ويعاد تكوين السلطة ويكون لقوى التغيير القدرة على إنتشال لبنان من مأساته. ومن ثم يرفع الإنتداب.