سعد شعنين

الثلاثاء ٢٣ حزيران ٢٠٢٦ - 16:01

المصدر: MTV

المسيحيون في لبنان ليسوا جماعة خوف… بل حراس الدولة

حين وجّه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رسالة إلى المسيحيين في لبنان، قرأها البعض على أنها رسالة طمأنة إلى فئة قلقة على مستقبلها في منطقة تعصف بها الحروب والتحولات. لكن من يعرف تاريخ المسيحيين في لبنان يدرك أن القضية أبعد من ذلك بكثير. فبعد خمسين عاماً من الحروب والأزمات والانهيارات والتدخلات الخارجية، لم يعد السؤال المطروح في الوجدان المسيحي: كيف نحمي المسيحيين؟ بل كيف نحمي لبنان؟

فالمسيحيون في لبنان لم يكونوا يوماً أبناء الخوف، بل أبناء الصمود. هم الذين شهدوا سقوط مشاريع كبرى، وانهيار أنظمة، وتبدل موازين قوى، وتغير خرائط ونفوذ دول، فيما بقي لبنان، رغم جراحه العميقة، صامداً. وهم الذين رأوا وطنهم يحمل أوزار صراعات المنطقة وقضاياها، من القضية الفلسطينية إلى مختلف المحاور الإقليمية التي تعاقبت على أرضه، فيما كانت الدولة اللبنانية تدفع أثماناً باهظة من سيادتها واستقرارها ومؤسساتها.

لذلك فإن هاجس المسيحيين في لبنان لم يكن يوماً البقاء، لأن البقاء أثبتوه عبر العقود، ولم يكن الخوف على المصير، لأن الإيمان الذي حملهم في أصعب المراحل كان كفيلاً بمنحهم القدرة على الصمود. أما هاجسهم الحقيقي فكان وما زال بقاء الدولة اللبنانية نفسها، واستعادة دورها ورسالتها وحماية هويتها، لأنهم يدركون أن سقوط الدولة هو الخطر الحقيقي على جميع اللبنانيين، وأن قوة لبنان لا تكون إلا بدولته ومؤسساته وقراره الوطني الحر.

خلال خمسين عاماً، مرّ لبنان بما يكفي لإسقاط دول بأكملها. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، عاش اللبنانيون سلسلة متواصلة من الحروب والأزمات والتحولات الكبرى. لكن ما يميز التجربة اللبنانية أن لبنان لم يتحمل فقط نتائج أزماته الداخلية، بل حمل أيضاً أعباء قضايا إقليمية فاقت قدراته وإمكاناته.

كان لبنان من بين أكثر الدول العربية التي دفعت أثمان القضية الفلسطينية. احتضن اللاجئين الفلسطينيين، وفتح أرضه أمام العمل السياسي والعسكري الفلسطيني، وتعاطف شعبه مع قضية اعتبرها العرب جميعاً قضيتهم المركزية. لكن ما بدأ تحت عنوان دعم الشعب الفلسطيني وحقه في العودة والمساهمة في تحرير القدس، تحوّل مع مرور الوقت إلى واقع استباح الدولة اللبنانية ومؤسساتها وسيادتها.

فقد نشأت على الأرض اللبنانية سلطات موازية للدولة، وتحولت مناطق واسعة إلى ساحات خارجة عن القرار اللبناني، ودفع اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة الصدامات والحروب والتدخلات الخارجية التي تلت ذلك. وباسم معارك لم يكن لبنان قادراً على تحمل نتائجها، تراجعت سلطة الدولة وتعرض الكيان اللبناني نفسه لاختبارات وجودية خطيرة. وكانت تلك التجربة من أكثر المحطات التي رسخت لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وفي مقدمتهم المسيحيون، قناعة راسخة بأن القضايا الكبرى لا يمكن أن تكون على حساب الدولة اللبنانية ولا على حساب سيادتها.

ولم تتوقف الأثمان عند تلك المرحلة، بل توالت بعدها مراحل أخرى من التدخلات الخارجية والوصايات والمحاور الإقليمية التي تعاملت مع لبنان كساحة نفوذ أو صندوق بريد للرسائل المتبادلة. ومع كل محطة جديدة، كان يتأكد أكثر فأكثر أن الخاسر الأول هو الدولة اللبنانية وأن الرابح الوحيد هو الفوضى.

ولعل ما جرى أخيراً خلال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران يقدم مثالاً واضحاً على حجم التحولات التي تشهدها المنطقة. فقد سارعت دول عربية وإقليمية عديدة إلى بذل كل الجهود الممكنة لوقف الحرب ومنع توسعها، لأنها تعرف أن اقتصاداتها واستقرارها ومجتمعاتها لا تحتمل حروباً طويلة أو نزاعات مفتوحة. أما لبنان، فقد عاش على مدى عقود ما يفوق بكثير ما تخشاه تلك الدول اليوم، وتحمل شعبه أعباء الحروب المتتالية والانقسامات والتدخلات الخارجية، ومع ذلك بقي متمسكاً بفكرة الدولة وبإمكانية النهوض من جديد.

وإذا كان اللبنانيون جميعاً دفعوا أثماناً باهظة خلال هذه العقود، فإن المسيحيين في لبنان خاضوا تجربة جعلتهم أكثر التصاقاً بفكرة الدولة. فقد اختبروا معنى النزوح والخسارة والهجرة والانقسام، لكنهم اختبروا أيضاً معنى العودة والصمود وإعادة البناء. ولذلك فإن مطلبهم الدائم لم يكن يوماً إنشاء كيانات خاصة أو البحث عن حمايات خارجية، بل قيام دولة قوية وقادرة وعادلة تحتكر وحدها السلاح والقرار والسيادة.

من هنا يبدو الحديث المتكرر عن “خوف المسيحيين” بعيداً عن جوهر القضية. فالمسيحيون في لبنان لا يخافون على أنفسهم بقدر ما يخافون على لبنان. لديهم من الإيمان ما يكفي للصمود، ومن التجربة ما يكفي لمواجهة الأزمات، ومن الجذور ما يجعلهم جزءاً أصيلاً من هذه الأرض.

ويستمد هذا الإيمان جزءاً كبيراً من قوته من الإرث الروحي الذي طبع تاريخ لبنان. فبلد أعطى العالم مار شربل والقديسة رفقا والقديس نعمة الله الحرديني هو بلد يحمل في وجدان أبنائه معنى يتجاوز السياسة والحسابات اليومية. ولذلك يشعر كثير من المسيحيين أن لبنان ليس مجرد وطن، بل رسالة تستحق الدفاع عنها والحفاظ عليها مهما اشتدت الصعاب.

اليوم، وبعد كل ما شهدته المنطقة من حروب وانهيارات وتحولات، يعود السؤال الأساسي: كيف نحمي لبنان؟ وهنا يكمن جوهر الموقف المسيحي. فالقضية ليست حماية المسيحيين، بل حماية الدولة. وليست البحث عن ضمانات لفئة معينة، بل إعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية وللدستور وللسلطة التي يجب أن تكون المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين.

لقد أثبتت العقود الخمسة الماضية أن المسيحيين في لبنان قادرون على الصمود. أما التحدي الحقيقي اليوم فهو أن يصمد لبنان نفسه كدولة. ولذلك فإن معركتهم ليست معركة بقاء، لأن البقاء تحقق رغم كل العواصف، بل معركة استعادة الدولة اللبنانية كاملة السيادة والقرار. فحين تنتصر الدولة ينتصر الجميع، وحين تضعف الدولة يخسر الجميع.

لهذا فإن هاجس المسيحيين في لبنان ليس مصير المسيحيين، بل مصير لبنان. وليس مستقبل طائفة، بل مستقبل وطن. ذلك أن المسيحيين الذين بقوا في أرضهم بعد خمسين عاماً من الحروب لم يعودوا يسألون كيف نحمي أنفسنا، بل كيف نحمي لبنان الذي آمنوا به دولةً ورسالةً ونهائياً لجميع أبنائه.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها